مرض مراتي ٢ حكايات زهرة

موقع أيام نيوز

الدكتور بصلي بذهول، وقام من على مكتبه وقرب مني. كشف عليا بدقة، وساد الصمت في الأوضة لدقائق كانت كأنها سنين.
​لفت الدكتور ليا وبصلي بنظرة كلها أسى، وقال نفس الجملة: "للاسف يا أحمد.. ده بهاق، ونشط جداً".
مسكته من بالتو الدكتور وأنا پصرخ: "بهاق إيه يا دكتور؟! أنت مش قولت إنه مش معدي؟! أنا عديتها؟ أنا جالي منها؟!".
​الدكتور شد إيدي براحة وقعدني، وقال بصوت هادي وفيه لوم: "هو مش معدي فعلاً يا أحمد، وعمرك ما هتاخده منها. البهاق جينات كامنة في الجسم، والصدمات النفسية الشديدة أو الضغط العصبي الحاد والزعل هما اللي بيفجروه. أنت كنت تحت ضغط وعصبية وتفكير الفترة اللي فاتت؟".
​نزلت إيدي واستسلمت تماماً. ضغط؟ زعل؟ أنا اللي عملت في نفسي كده! أنا اللي قهرت إنسانة ملهاش ذنب، والذنب والندم والخۏف اللي كنت بداريهم ورا كبريائي وقسۏتي، هما اللي فجروا المړض في جسمي. خرجت من العيادة وأنا بجر رجل الهزيمة ورايا.
​مرت الأسابيع، وحياتي اتحولت لچحيم حقيقي. التجربة اللي عيشتها لهيام، بقيت بشرب منها كل يوم كاسات مريرة.
مبقتش قادر أنزل الشغل. قدمت على إجازة مفتوحة، وقعدت في الشقة لوحدي، قافل الشيش والستاير، وعايش في ضلمة كاحلة. مكنتش بطيق أشوف نفسي في المراية، لدرجة إني جبت ملايات سرير وغطيت بيها كل مرايات الشقة.
​أصحابي كانوا بيتصلوا بيا عشان نخرج، وكنت بقفل تليفوني بالرابطة. مكنتش قادر أواجه نظرات الفضول والأسئلة اللي أنا نفسي كنت خاېف منها لما كنت مع هيام. كنت بفتكر لما صاحباتها سألوها في الفرح وإزاي أنا سيبتها وهربت، وكنت بدمع وأنا بسأل نفسي: "لو أنا خرجت دلوقتي وحد سألني.. مين هيقف جمبي ومين هيسندني؟". الإجابة كانت دايماً: مفيش حد. أنا وحيد تماماً، وربنا حرمني من الست اللي كانت ممكن تشيلني في رمش عيونها لو العكس هو اللي حصل.
​البهاق بدأ ينتشر أكتر؛ ظهر في رقبتي وفي إيدي التانية. بقيت كل يوم الصبح أصحى أدور على بقعة جديدة، وكل بقعة بتظهر كانت بتاكل حتة من كبريائي وغروري القديم. عرفت وقتها إن الجمال ده قشرة خارجية ملهاش أي قيمة، وإن الروح هي اللي بتدوم، بس بعد إيه؟ بعد ما خسړت كل حاجة.
​بعد حوالي ست شهور من العزلة التامة، وفقدان الشغف في كل حاجة، تليفوني رن. كان المتصل هو صاحبي الانتيم، اللي كانت مراته صاحبة هيام. ردت عليه بصوت مجهد وتعبان.
قال لي: "أحمد.. أنت فين يا ابني؟ بقالك شهور مختفي ومحدش عارف عنك حاجة، لدرجة إننا قلقنا عليك جداً. في إيه؟".
حاولت أداري وقولتله: "مفيش.. شوية تعب وضغط في الشغل ومقضيها نوم".
قال لي بصوت متردد: "طب.. أنا كنت عايز أقولك حاجة.. أنا عرفت إنك طلقت هيام من فترة.. بس كنت عايز أقولك إن هيام النهاردة بتفتتح الجاليري بتاعها، معرض الرسم اللي كانت بتحلم بيه طول عمرها. أصحابها كلهم رايحين يدعموها، وأنا قولت لازم أبلغك، جايز تحب تروح أو تصلح اللي انكسر".
​أول ما سمعت اسم "هيام"، قلبي دق بسرعة. معرض رسم؟ هيام رجعت لحلمها؟
نزلت التليفون وأنا في حالة ذهول. أنا هنا بمۏت في ضلمتي، وهي قدرت تقوم وتقف على رجليها وتواجه الدنيا. حسيت برغبة عارمة إني أشوفها.. مش عشان أرجع لها، لأني عارف إني مستاهلهاش، بس عشان أشوف إزاي قدرت تنتصر على الۏجع اللي أنا سبتهولها.
​لبست قميص بكم طويل، وحطيت كاب على راسي ونزلت النضارة على عيني عشان أداري البقع اللي في وشي، وروحت على عنوان الجاليري.
وقفت بعيد، وسط الزحمة، ومستخبي ورا عمود إنارة في الشارع المقابل. كنت ببص من الإزاز الكبير بتاع القاعة.
​وجوا.. شوفتها!
كانت واقفة زي الملكة. لابة فستان شيك جداً، ورافعة شعرها لفوق. البهاق كان انتشر 

تم نسخ الرابط