مراتي جالها مرض

موقع أيام نيوز


رأسه.
تعرفه؟
أجاب محمود بصوت مرتجف
ده اسم والدي.
ساد صمت ثقيل.
والد محمود كان قد ټوفي منذ سنوات.
ولم يكن أحد يعلم أي علاقة تربطه بسحر قبل زواجها.
بدأت الأسئلة تتزاحم في العقول.
لكن المحامي لم ينتهِ بعد.
أخرج ظرفاً صغيراً آخر من الملف.
وقال
وده الجزء اللي أوصت سحر إنه يتقري بعد العملية مباشرة.
فتح الظرف.
وأخرج رسالة مكتوبة بخط يد سحر.
بدأ يقرأ
لو وصلتوا للجزء ده، يبقى أنا قدرت أواجه خۏفي وأعمل العملية.
فيه سر احتفظت بيه سنين طويلة، مش عشان أخدع حد، لكن عشان ما أوجعش ناس بحبهم.
ازدادت دقات القلوب.
وأكمل المحامي القراءة
من سبع سنين، يوم الحاډثة، الشخص اللي أنقذ حياتي كان والد محمود.
نظر محمود إلى الأرض غير مصدق.
أما الرسالة فاستمرت
بعد الحاډث، اكتشفت إن الرجل ده دفع جزء كبير من تكاليف علاجي من غير ما يعرفني شخصياً، ورفض يقول لأي حد.
دمعت عينا أم سحر.
لكن السطر التالي كان أغرب من كل ما قبله
وقبل ۏفاة والد محمود بشهور، سلمني أمانة وطلب مني ما أتكلمش عنها إلا في وقت الضرورة.
رفع الجميع رؤوسهم دفعة واحدة.
حتى المحامي توقف لحظة قبل أن يكمل.
الأمانة موجودة في الدرج المقفول اللي مفتاحه مع بابا.
نظر الجميع إلى المفتاح الصغير الموجود على الطاولة.
وشعر محمود بقشعريرة تسري في جسده.
لأن والده لم يترك له أي حديث عن هذه الأمانة طوال حياته.
ثم أكمل المحامي
ولما تفتحوا الدرج... هتعرفوا ليه كنت مصرة أتمسك بالحياة مهما حصل.
ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة لم يكن صمت خوف...
بل صمت انتظار.
انتظار لما يوجد داخل ذلك الدرج المغلق، والذي يبدو أنه يحمل سراً ظل مدفوناً سنوات طويلة، وربما يكون مرتبطاً بوالد محمود أكثر مما يتخيل أي شخص منهم في تلك الليلة لم يستطع أحد الجلوس دقيقة واحدة في مكانه.
كل العيون كانت معلقة بالمفتاح الصغير الموضوع فوق الطاولة.
محمود كان شاردًا تمامًا.
فكرة أن والده الراحل كان يعرف سحر قبل سنوات من زواجهما كانت كافية لقلب كل ما يعرفه عن حياته رأسًا على عقب.
قال والد سحر بحزم
هنروح الشقة حالاً.
اعترضت أم سحر
والبنت؟
الدكاترة قالوا حالتها مستقرة دلوقتي.
أما محمود فلم ينطق بكلمة.
بعد أقل من ساعة كانوا جميعًا داخل شقة سحر.
اتجه والدها مباشرة إلى غرفة النوم.
كان يعرف مكان الدرج الذي تقصده.
فتح الخزانة.
ثم أزاح بعض الملابس والعلب القديمة.
وفي الخلف تمامًا ظهر درج خشبي صغير عليه قفل معدني قديم.
أخرج المفتاح.
وأدخله ببطء.
صدر صوت طَق.
وانفتح الدرج.
ساد الصمت.
ثم سحب والد سحر محتوياته للخارج.
لم يكن هناك ذهب.
ولا أموال.
ولا عقود أملاك كما توقع البعض.
بل صندوق معدني صغير.
وفوقه ظرف أصفر كبير.
كتب عليه بخط واضح
يُفتح بحضور محمود فقط.
تبادل الجميع النظرات.
نظر والد سحر إلى ابنه ثم سلمه الظرف.
كانت يد محمود ترتجف وهو يفتحه.
أخرج عدة أوراق وصورة قديمة.
وحين وقعت عيناه على الصورة، شحب وجهه فجأة.
كانت صورة لوالده.
لكن المفاجأة أن الصورة لم يكن فيها وحده.
بل كان يقف بجواره رجل آخر.
رجل يعرفه محمود جيدًا جدًا.
تراجع خطوة للخلف وهو يهمس
لا...
اقترب والد سحر وسأله
في إيه؟
رفع محمود الصورة ببطء.
ده... ده عماد.
مين عماد؟
شريكي السابق.
ساد الصمت.
فشريكه عماد كان قد اختفى من حياته منذ سنوات بعد خلاف مالي كبير.
ولم يتخيل يومًا أن يرى صورته بجوار والده.
لكن الصدمة الأكبر كانت في الورقة التالية.
فتحها بسرعة.
فوجد خطابًا مكتوبًا بخط يد والده.
بدأ يقرأ
يا محمود... لو وصلت للرسالة دي، فمعناه إن الظروف أجبرت سحر تكشف الحقيقة اللي طلبت منها تخفيها.
تسارعت أنفاسه.
وأكمل
فيه دين قديم في رقبتي كان لازم يترد.
نظر محمود إلى السطر التالي.
فتجمد مكانه تمامًا.
عماد اللي تعرفه باسم شريكك... هو نفس الشخص اللي تسبب في الحاډث اللي كانت ھتموت فيه سحر زمان.
شهقت أم سحر.
أما والدها فوقف فجأة من مكانه.
واصل محمود القراءة وعيناه تتسعان مع كل كلمة
وقت الحاډثة كان هربان،

والموضوع اتقفل بطريقة غريبة، لكني عرفت الحقيقة بعدها بسنوات.
ومن يومها وأنا بحاول أصلح اللي حصل.
ازدادت الحيرة.
لكن الخطاب لم ينتهِ.
سحر وافقت تخفي الأمر لأنها ما كانتش عايزة تدمر حياة حد، وأنا وعدتها إن الحق هيظهر يومًا ما.
نظر الجميع لبعضهم في ذهول.
وفجأة سقط من بين الأوراق مستند آخر.
التقطه والد سحر.
وما إن قرأ عنوانه حتى تغير وجهه تمامًا.
قال بصوت مرتعش
ده محضر رسمي...
خطفه محمود منه.
وكان عنوانه
إعادة فتح تحقيق حاډث قديم.
وفي أسفل الصفحة تاريخ حديث جدًا...
قبل العملية بأيام قليلة فقط.
وهنا أدرك الجميع أن سحر لم تكن تستعد فقط لجراحة خطېرة...
بل كانت تتحرك أيضًا لإعادة فتح ملف ظل مغلقًا سبع سنوات كاملة.
وفي نفس اللحظة رن هاتف محمود.
نظر إلى الشاشة.
كان الرقم مجهولًا.
رد بتردد.
ثم تغير لون وجهه فورًا.
لأن الصوت الذي جاءه من الطرف الآخر قال جملة واحدة فقط
لو لقيت الملف... يبقى أوعى تكمّل فيه، لأن في ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان الحقيقة ما تظهرش نظر محمود إلى الهاتف لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة.
الصوت كان غريبًا ومشوّهًا، وكأنه متعمد ألا يُعرف صاحبه.
قال والد سحر بقلق
مين كان بيكلمك؟
ابتلع محمود ريقه وقال
حد بيحذرني من الملف.
ساد الصمت.
ثم أخذ الجميع ينظر إلى الأوراق المبعثرة فوق الطاولة وكأنها تحولت فجأة إلى شيء أخطر مما تصوروا.
أعاد محمود قراءة محضر إعادة فتح التحقيق.
وفي آخر صفحة وجد ملاحظة بخط يد سحر
لو حصل لي أي شيء قبل انتهاء الإجراءات، سلّموا النسخة الموجودة عند المحامي للنيابة.
تبادل الجميع النظرات.
أم سحر همست
كانت متوقعة إن يحصل حاجة؟
لم يجب أحد.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا...
سحر كانت تعرف أكثر مما أخبرت به الجميع.
وفجأة رن هاتف والد سحر.
هذه المرة كانت المكالمة من المستشفى.
رد بسرعة.
استمع لثوانٍ فقط.
ثم نهض من مكانه.
لازم نرجع حالاً.
قفز الجميع واقفين.
في إيه؟
قال بلهفة
سحر فاقت... وطلبت تشوفنا فورًا.
انطلقوا إلى المستشفى.
وخلال الطريق كان محمود يعيد في رأسه كل ما قرأه.
والده.
عماد.
الحاډث القديم.
التحقيق.
والټهديد الغامض.
كل شيء أصبح متشابكًا بصورة مخيفة.
وصلوا إلى المستشفى.
لكن ما إن دخلوا الطابق حتى شعروا أن هناك شيئًا غير طبيعي.
عدة أفراد أمن يقفون أمام قسم العناية.
وأحد الأطباء يتحدث بعصبية مع الإدارة.
اقترب والد سحر بسرعة.
إيه اللي حصل؟
نظر إليه الطبيب پصدمة.
أنتم أهل المړيضة؟
أيوه.
تنهد الطبيب بعمق.
ثم قال
من حوالي نص ساعة، شخص مجهول حاول يدخل العناية المركزة مدعي إنه من فريق الصيانة.
تجمد الجميع.
أكمل الطبيب
لكن الأمن شك في أمره وهرب قبل ما يتم القبض عليه.
شحب وجه أم سحر.
أما محمود فشعر بقشعريرة تسري في جسده.
وتذكر فورًا المكالمة التي وصلته.
في تلك اللحظة خرجت ممرضة من غرفة سحر.
وقالت
تقدروا تدخلوا واحد واحد.
أصر محمود هذه المرة أن يكون أول الداخلين.
دخل الغرفة ببطء.
كانت سحر مستلقية على السرير وعلامات الإرهاق واضحة عليها.
لكن عينيها كانتا يقظتين.
ما إن رأته حتى قالت بصوت ضعيف
فتحتوا الدرج؟
أومأ برأسه.
أيوه.
وقريت رسالة والدك؟
أيوه.
أغلقت عينيها للحظة.
ثم قالت
يبقى لازم تعرف آخر جزء من الحقيقة.
اقترب محمود أكثر.
وساد الصمت داخل الغرفة.
ثم قالت سحر
الحاډثة ما كانتش مجرد حاډثة عادية...
وتوقفت لثوانٍ بسبب التعب.
ثم همست
وفي شخص كان موجود يومها غير عماد... شخص محدش كان يعرف إنه هناك.
شعر محمود بأن قلبه يدق پعنف.
وسأل
مين؟
نظرت إليه سحر مباشرة.
وكانت على وشك أن تنطق بالاسم...
لكن باب الغرفة انفتح فجأة، ودخل الطبيب مسرعًا بعدما ظهرت نتائج جديدة من الملف الطبي والتحقيق معًا، وقال بلهجة متوترة
أستاذ محمود... لازم أشوفك حالاً. فيه معلومة وصلت دلوقتي غيرت كل اللي كنا فاهمينه عن القضية الټفت محمود نحو الطبيب في ذهول.
ثم عاد ينظر إلى سحر.
كانت تحاول أن تتكلم، لكن الإرهاق
 

تم نسخ الرابط