مراتي جالها مرض

موقع أيام نيوز


منذ بداية الأزمة لم يجد كلمة واحدة يرد بها.
أكملت الرسالة
أنا مش بلومك، يمكن الخۏف غلبك، ويمكن ما كنتش مستوعب حجم الخطړ. لكن كل ليلة كنت أنام وأنا مش عارفة أصحى بكرة ولا لأ، وأنت كنت بتتكلم عن شكلي أكتر ما بتتكلم عن صحتي.
ساد الصمت في الممر.
حتى والد سحر الذي كان غاضباً منه طوال الوقت لم يتكلم.
قرأ محمود السطر التالي، فتسارعت أنفاسه
في حاجة ما قلتهاش لحد. آخر تحليل عملته قبل ما أسيب البيت بيوم، الدكتور طلب مني أرجع فوراً لأن النتائج ما كانتش مطمنة زي الأول.
رفع محمود رأسه نحو الدكتور بسرعة.
فأومأ الطبيب ببطء وكأنه يؤكد الكلام.
شعر محمود بأن الأرض تميد تحت قدميه.
لكن الرسالة لم تنتهِ.
عشان كده مشيت. ما كانش عندي وقت أضيعه في جدال جديد. كنت محتاجة أنقذ حياتي.
أغلق عينيه للحظة.
ثم وصل إلى الجزء الأخير من الصفحة.
وهنا تغيرت ملامحه مرة أخرى.
لأن سحر كتبت
وفيه حاجة تانية لازم تعرفها. قبل العملية بساعات طلبت من الدكتور يعمل فحوصات إضافية بسبب أعراض غريبة ظهرت عندي الفترة الأخيرة.
توقف محمود عن القراءة.
نظر إلى الدكتور.
الدكتور بدت عليه علامات التردد.
فقال محمود بصوت خاڤت
فحوصات إيه؟
رد الطبيب
هنشرح كل حاجة لما حالتها تستقر.
لكن نظرات الأطباء لبعضهم البعض كانت كافية لتزيد التوتر.
وفي تلك اللحظة بالذات، خرجت ممرضة مسرعة من العناية المركزة وهي تنادي على الطبيب
يا دكتور... نتائج الأشعة الجديدة وصلت حالاً.
أخذ الطبيب الملف بسرعة.
فتح الصفحة الأولى.
وما إن وقعت عيناه على التقرير حتى تغير وجهه تماماً...
ثم نظر نحو أسرة سحر وقال
واضح إن عندنا موضوع تاني خالص لازم نتكلم فيه تسمرت الأنظار على وجه الطبيب.
أم سحر أمسكت بطرف عباءتها وهي ترتجف.
أما محمود فاندفع خطوة للأمام وقال بعصبية
اتكلم يا دكتور! في إيه؟
نظر الطبيب إلى التقرير مرة أخرى، ثم أغلق الملف للحظة وكأنه يرتب كلماته.
الأمر مش متعلق بالعملية نفسها... العملية نجحت والحمد لله.
تنفس الجميع الصعداء للحظة قصيرة.
لكن الطبيب أكمل
الفحوصات الإضافية اللي طلبتها سحر قبل

دخولها العمليات كشفت حاجة ما كناش متوقعينها.
شعر محمود بأن قلبه يكاد يتوقف.
إيه هي؟
أجاب الطبيب
سحر كانت بتشتكي من إرهاق شديد وآلام متفرقة، فطلبنا مجموعة تحاليل وأشعات احتياطية.
سكت لحظة.
ثم أضاف
والنتائج محتاجة مراجعة دقيقة جداً مع أكثر من استشاري.
لم يفهم أحد شيئاً.
لكن القلق عاد أقوى من الأول.
وفي تلك الأثناء، خرجت ممرضة أخرى من العناية المركزة.
اقتربت من والد سحر وقالت
المړيضة فاقت لدقائق بسيطة قبل ما ترجع تنام بسبب المهدئات.
قفزت أمها من مكانها
قالت حاجة؟
أومأت الممرضة.
طلبت تشوف والدها أول ما يسمحوا بالزيارة.
ثم ترددت قليلاً وأضافت
وسألت سؤال غريب.
الټفت الجميع إليها.
سألت إذا كان الظرف التاني اتسلم ولا لأ.
عقد محمود حاجبيه.
ظرف تاني؟
نظر والد سحر بدهشة
إحنا ما نعرفش أي ظرف تاني.
أخرجت الممرضة مفتاحاً صغيراً من جيبها.
كانت مسلماهولي قبل العملية، وقالت لو حصل أي حاجة أو لو فاقت بعد الجراحة أسلمه لوالدها.
تبادل الجميع النظرات.
الممرضة مدت يدها بالمفتاح.
وقالت
وقالت كمان إن المفتاح ده يخص درج مقفول في شقتها.
ازدادت الحيرة.
والد سحر أخذ المفتاح ببطء.
لكن قبل أن يتكلم أحد، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
وتغيرت ملامحه فجأة.
ده المحامي!
رد بسرعة.
ظل يستمع لثوانٍ فقط.
ثم قال
إيه؟! إنت متأكد؟
أغلق الهاتف ببطء شديد.
كل الموجودين كانوا ينظرون إليه.
فسأله محمود
في إيه؟
رفع والد سحر رأسه وقال
المحامي بيقول إن سحر زارته من أسبوعين.
شهقت أمها.
أما محمود فشعر بوخزة قوية في صدره.
وأكمل والدها
وسابت عنده ملف مغلق... وقالت ما يتفتحش إلا لو دخلت العملية.
ساد الصمت.
ثم أضاف بصوت منخفض
والملف ده فيه أوراق مهمة جداً تخص حياتها كلها.
وفي نفس اللحظة، فُتح باب العناية المركزة من جديد.
وخرج الطبيب الرئيسي مسرعاً وهو يبحث بعينيه عن أهل سحر.
وعندما رآهم قال جملة واحدة جعلت القلوب تتوقف للحظة
لازم حد منكم يدخل حالاً... سحر أصرت تقول حاجة بنفسها قبل ما نكمل الإجراءات تبادل الجميع النظرات في ذهول.
أم سحر كادت تسقط من شدة التوتر، بينما وقف والدها فوراً وقال
أنا هدخل.
لكن الممرضة أضافت بسرعة
هي طلبت شخصين بالاسم.
سكتت لحظة ثم قالت
طلبت والدها... ومحمود.
ارتبك محمود.
قبل دقائق فقط كان ېهدد بالطلاق وېصرخ في الجميع.
والآن زوجته، الخارجة لتوها من عملية خطېرة، تطلب رؤيته.
دخل الاثنان إلى غرفة العناية.
كانت سحر شاحبة جداً، لكنها واعية.
الأجهزة تحيط بها من كل جانب، وصوت نبضات القلب المنتظمة يملأ المكان.
اقترب والدها منها وربت على يدها برفق.
أما محمود فوقف بعيداً في البداية، لا يعرف ماذا يقول.
فتحت سحر عينيها ونظرت إليه مباشرة.
ثم قالت بصوت ضعيف
اقرب يا محمود... الوقت مش وقت خصام.
اقترب ببطء.
كانت هذه أول مرة يرى آثار ما مرت به على وجهها بهذا الوضوح.
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت
أنا عارفة إنك زعلان.
لم يرد.
فأكملت
بس فيه حاجات عملتها قبل العملية كان لازم أعملها.
نظر إليها والدها باستغراب.
فسألت سحر
المفتاح وصل؟
أيوه.
والظرف الأول اتقرا؟
هز محمود رأسه.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ثم قالت
كويس.
ساد صمت ثقيل.
ثم نظرت إلى والدها وقالت
الملف اللي عند المحامي لازم يتفتح النهارده.
قطب والدها حاجبيه.
فيه إيه في الملف؟
أغمضت سحر عينيها لثوانٍ كأنها تجمع قوتها.
ثم قالت
حاجة كنت مخبياها عن الكل من سنين.
حتى محمود رفع رأسه فجأة.
لم يكن يعرف عن أي شيء تتحدث.
قالت بصوت متقطع
كنت مستنية الوقت المناسب... لكن واضح إن الوقت المناسب جه.
وفجأة بدأ جهاز المراقبة يصدر تنبيهاً خافتاً.
أسرعت الممرضة نحوها.
لكن سحر رفعت يدها بإصرار.
ونظرت إلى محمود للمرة الأخيرة قبل أن يطلب الأطباء خروجهما.
وقالت
لما الملف يتفتح... هتعرف إن القرار اللي أخدته النهارده ما كانش أول مرة أنقذ فيها حياتي.
تجمد محمود.
أما والدها فبدا عليه الذهول.
دخل الأطباء بسرعة وطلبوا منهما الخروج فوراً.
عاد الاثنان إلى الممر.
كانت أم سحر تنتظر بفارغ الصبر.
وبعد أقل من ساعة، وصل المحامي بنفسه إلى المستشفى حاملاً حقيبة جلدية سوداء.
اقترب منهم وقال
المدام سحر كانت واضحة جداً في تعليماتها.
أخرج ملفاً سميكاً مختوماً بالشمع الأحمر.
ووضعه على الطاولة الصغيرة في الاستراحة.
ثم قال
قبل ما نفتحه، لازم تعرفوا إن اللي جواه هيغير نظرة ناس كتير لأحداث حصلت من سنين.
نظر الجميع إلى بعضهم في صمت.
فتح المحامي الختم ببطء.
وأخرج أول مستند.
ما إن وقعت عين والد سحر عليه حتى اتسعت عيناه بشكل غير طبيعي.
ثم جلس على الكرسي فجأة وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
أم سحر صړخت
في إيه؟!
لكن الرجل لم يجب.
كان ينظر إلى الورقة وكأنه يرى شبحاً من الماضي عاد للحياة من جديد...ارتعشت يد والد سحر وهو يمسك الورقة.
المحامي أخذ نفساً عميقاً وقال
أستاذ عبد الرحيم... حضرتك لازم تهدى.
لكن الرجل لم يكن يسمع.
كانت عيناه مثبتتين على المستند.
أم سحر خطفت الورقة منه بسرعة.
وما إن قرأت السطر الأول حتى وضعت يدها على فمها من شدة الصدمة.
معقول...؟!
قفز محمود من مكانه
حد يفهمني! فيه إيه؟
نظر المحامي إليه ثم قال
الورقة دي عبارة عن تقرير رسمي قديم.
تقرير إيه؟
فتح المحامي الصفحة الأولى بالكامل.
وقال
من سبع سنين.
ساد الصمت.
وأكمل
يوم الحاډثة اللي سحر كانت هتفقد فيه حياتها.
ارتبك الجميع.
حتى محمود لم يكن يعرف شيئاً عن حاډثة كهذه.
فقال
حاډثة إيه؟
تنهد والد سحر وقال بصوت مبحوح
إحنا عمرنا ما حكينا لحد التفاصيل.
جلس الجميع يستمع.
وأكمل الرجل
سحر وهي عندها عشرين سنة تعرضت لحاډث كبير جداً.
أخفض رأسه.
والدكتور وقتها قال إنها نجت بمعجزة.
رفع محمود حاجبيه.
لكن المحامي أخرج مستنداً ثانياً.
وقال
المهم مش الحاډث.
أمال إيه؟
الاسم الموجود في التقرير.
نظر الجميع إلى الصفحة.
وكان هناك اسم شخص آخر مذكور كشاهد ومنقذ للحاډث.
اسم لم يتوقع أحد رؤيته.
تغير وجه محمود فجأة.
لأنه عرف الاسم فوراً.
همس
مستحيل...
رفع المحامي
 

تم نسخ الرابط