لمدة ست سنين، كان ابني "شغال في أمريكا" وبيبعت لي فلوس كل شهر.
المحتويات
من أسرار الناس.
لما جه دوري، الموظفة الشابة، نهى، ابتسمت لي
يا خالة سعاد، فين مرات ابنك النهاردة؟
قلت لها في السوق.. شوفي لي يا بنتي الفلوس بتاعة أحمد وصلت ولا لأ؟
دخلت رقم الحساب.. وفجأة صوابعها وقفت.
بصت للشاشة.. وبعدين بصت لي.. وبعدين بصت ورايا.
ابتسامتها اختفت.
يا خالة، قالت بصوت واطي، ممكن تتفضلي تقعدي دقيقتين؟
قلبي قبضني.
ليه؟ الفلوس ما جتش؟
لأ، الفلوس موجودة.
أمال في إيه؟
وطت صوتها أكتر
إنتي دايما بتقولي إن ابنك بيبعت من أمريكا، صح؟
هزيت راسي أيوه.. من هيوستن.
وشها اصفر
يا خالة.. التحويلات دي عمرها ما جت من بره مصر.
صوت الزحمة في البنك فجأة اختفى من وداني.
بتقولي إيه؟
لفت الشاشة ناحيتي شوية وهي بتحاول تداريها عن اللي واقفين
ده حساب محلي.. من نفس الفرع ده. ومفتوح هنا في القرية من ست سنين.
سندت على الرخامة عشان ما أقعش
لأ.. أحمد في أمريكا.
عينيها كان فيها شفقة.. وأنا کرهت الشفقة دي.
ده مش تحويل خارجي يا خالة.. ده إيداع نقدي عادي من حساب مفتوح باسم...
سكتت.
ريقي نشف باسم مين؟
همست أحمد كمال الصاوي.
ركبي خارت حساب ابني؟
أيوه.. بس...
بس إيه؟
بصت ناحية مكتب المدير ورجعت بصت لي
العنوان اللي متسجل في الحساب مش أمريكا.. العنوان هو شارع ٣، خلف الجامع الكبير.
على بعد تلات شوارع من بيتي.
تلات شوارع.
طول ست سنين، كنت بلمس شاشة التليفون لما الرسالة تيجي وأعيط وأقول يا رب احمي ابني في بلاد الغربة.
وهو كان على بعد تلات شوارع مني.
أو اسمه هو اللي كان هناك.
خطفت الدفتر من إيدها ومين اللي بيسحب من الحساب ده؟
وش نهى اتغير يا خالة أرجوكي بلاش تسألي هنا.
انطقي!
قربت مني جداً فيه توكيل سحب وصرف لشخص تاني.
أطراف صوابعي اتلجت مين؟
هناء عبد العزيز.. مرات ابنك.
الدنيا لفت بيا.
هناء اللي كانت بټعيط بدموع ناشفة.
هناء اللي كانت بتملى الأوراق.
هناء اللي كانت بتقولي متسأليش كتير عشان شغل أمريكا معقد.
هناء اللي كانت بتنام في أوضة جوزي الله يرحمه وقافلة أوضة أحمد بالترباس.
خرجت من البنك من غير ما أعد الفلوس.
الشمس بره كانت حاړقة بشكل غريب.
الطريق للبيت كان أطول من الست سنين اللي فاتوا.
كل صوت بقى حاد وبيوجع.. زميرة مكنة.. صفارة حلة بريستو.. ستات بيفاصلوا في البصل.. كلب بيهوهو ناحية الجامع.
ضربات قلبي كانت عالية لدرجة إني تخيلت إن الناس سمعاها.
لما وصلت، باب البيت كان موارب.
شنطة ياسين كانت مرمية جنب الكنبة.
لا الولد موجود.. ولا هناء.
سمعت صوت خبط معدن في الأرض جاي من جوه.
مشيت بالراحة ناحية الأوضة اللي ورا.. أوضة أحمد.
الأوضة اللي هناء قفلاها ست سنين.
مش قادرة أشوف حاجته يا ماما، كانت بتقول كدة.
حطيت إيدي على حلق الباب.
جوه، هناء كانت مدياني ضهرها.
رابطة طرحتها على وسطها وجسمها كله عرق.
في إيدها جاروف حفر حديد.
وفي الأرض، تحت سرير أحمد الخشب، البلاط كان مخلوع.
وتراب لسه مندي طالع من تحت.
نفسي انقطع هناء!
اتسمرت مكانها.
لفت بالراحة.. ولأول مرة من ست سنين، شفت الخۏف الحقيقي
متابعة القراءة