لمدة ست سنين، كان ابني "شغال في أمريكا" وبيبعت لي فلوس كل شهر.

موقع أيام نيوز

لمدة ست سنين، كان ابني شغال في أمريكا وبيبعت لي فلوس كل شهر. كنت مصدقة ومطمنة إن كل قرش بيتحول لي جاي من هيوستن. لحد ما في يوم، موظفة البنك وطت صوتها وقالت لي يا خالة، الفلوس دي عمرها ما جت من أمريكا.. دي بتتحول من حساب مفتوح هنا في القرية، على بعد تلات شوارع من بيتك...
اسمي سعاد كمال.
عندي أربعة وخمسين سنة.
ببيع فطير مشلتت وسندوتشات قدام المدرسة الحكومي في قرية صغيرة تبع مركز طنطا.
بيتي سقفه واطي، حيطانه زرقاء ومشرخة، وفي وسط البيت حوش بناه جوزي طوبة طوبة قبل ما غبار الأسمنت في المصنع يسكن صدره ويخطفه مني.
ابني الكبير، أحمد، سافر من ست سنين.
أو ده اللي فهموهولي.
سافر أمريكا يا ماما، ده اللي قالته لي مراته، هناء، ليلتها وهي واقفة في نص الحوش، عينيها ناشفة وإيدها على بطنها وهي حامل في الشهرين الأولين. مقدرش يودعك.. الموضوع كان خطړ وتبع سماسرة، وبمجرد ما يوصل هيوستن هيبعت لنا فلوس.
صدقتها.
لأن الأم بتصدق أي حاجة عشان بس ماتتجننش.
أول مبلغ وصل بعد ١٥ يوم.
٣٠٠٠ جنيه.
وبعدها مبلغ تاني.
وتالت.
مرة ٤٠٠٠.. ومرة ٢٥٠٠.. وأوقات في العيد يبعت أكتر.
ودايماً كانت بتيجي رسالة مع التحويل مكتوب فيها
عشان خاطري يا أمي.. خليكي قوية.
وفعلاً، بقيت قوية وماتكسرتش.
ماتكسرتش لما ستات البلد قعدوا يوشوشوا إن أحمد أكيد اتجوز واحدة أجنبية هناك ونسينا.
ماتكسرتش لما هناء فضلت قاعدة في بيتي وقالت هقعد لحد ما الأمور تستقر.
ماتكسرتش لما حفيدي ياسين اتولد بملامح أبوه، وكنت بضطر أبوس جبينه عشان أمنع قلبي إنه يتخلع من مكانه.
طول الست سنين، كانت هناء بتروح معايا البنك.
في الأول كانت رقيقة وبنت أصول
يا ماما، أحمد بيثق فيا.. أنا هساعدك في كتابة الأوراق.
أنا ست على قد حالي، مكملتش علامي.
أعرف أمضي اسمي، أعد الفلوس، أقرأ يافطة محل.. بس أوراق البنك وحساباته كانت بتخوفني.
فسبتها هي تتصرف.
كانت تراجع الدفتر.. تقرأ الرسايل.. وتقولي الفلوس وصلت إمتى.
وكل شهر، كنت بقول لنفسي إن ابني لسه عايش طالما الفلوس بتوصل.
الحي هو اللي بيبعت فلوس.. المېت لا.
دي كانت القشة اللي متمسكة بيها عشان أعيش.
لكن بالتدريج، هناء اتغيرت.
بطلت تلبس أسود بعد السنة التالتة، وبقت تلبس ألوان فاقعة.
لما سألتها، قالت لي في أمريكا يا ماما أحمد عايش حياته وبيلبس مودرن.. أشمعنى أنا اللي أدفن نفسي وأنا لسه صغيرة؟
كلمة أرملة كانت بتخنقني كل ما تيجي على بالي.
كنت بطرد الفكرة فوراً.
لأ.. ابني مش مېت.
ابني مشغول.. مطحون في الغربة.. بيجمع قرش عشان يعمل لنا مستقبل.
ده اللي هناء كانت بتقوله.. وده اللي كنت بصدقه.
لحد يوم الثلاثاء اللي فات.. روحت البنك لوحدي.
هناء قالت إنها رايحة السوق تشتري خضار.
فرع بنك التنمية والائتمان كان زحمة جداً.
فلاحين بجراراتهم.. ستات كبار مستنيين المعاش.. ورجالة بتتخانق على تحديث البيانات.
المروحة اللي في السقف كانت بتلف ببطء كأنها زهقت

تم نسخ الرابط