ابني كان يتصل كل أحد ليسأل أنت وحدك؟ وعندما كذبت عليه اكتشفت الکاړثة!
النافذة. كان بائع الحليب يمر في الزقاق، والأطفال ينتظرون باص المدرسة. نفس الحي. نفس الصباح. لكن كل الوجوه أصبحت خلف غبار الشك.
عند الظهر اتصل سعدي بأحد معارفه القدامى. خلال عملنا في مديرية الطرق والجسور تعرفنا على ناس في دوائر كثيرة. ابن أخته كان يعمل في مختبر تحاليل خاص في بغداد. قال له سعدي أن يرسل صورة الحبة، ثم يمر في المساء لأخذ العينة.
سألته
لكن من دون شرطة؟
قال
أولًا نعرف. بعدها نقرر الخطوة.
في المساء جاء شاب نحيف. لبس قفازات ووضع الحبة داخل كيس صغير. لم يسأل عن اسمي، ولم يأخذ مالًا. قال فقط
سعدي عمي طلب مني، وأنا حاضر.
بعد أن غادر، صار البيت أثقل.
في الليل اتصل علي.
لم يكن يوم أحد.
بردت يداي.
أشار لي سعدي أن أضع الهاتف على مكبر الصوت.
رفعت الهاتف.
قلت
نعم يا ولدي؟
قال
أبي، كل شيء بخير؟
قلت
نعم.
قال
صوتك اليوم متعب.
قلت
العمر له حق.
ضحك بخفة وقال
تريدني آخذك إلى طبيب؟ على كل حال، سأأتي الأسبوع القادم.
قلت
الأسبوع القادم؟
قال
نعم. صباح الأحد. عندي شغل مهم. بعض الأوراق يجب أن نكملها.
ضاقت عينا سعدي.
حافظت على صوتي طبيعيًا وقلت
أي أوراق؟
قال
أبي، نفس موضوع ضريبة البيت، واسم المستفيد في التقاعد، والتأمين الصحي. أنت لا تفهم هذه الأمور. أنا موجود.
قلت
حسنًا.
قال
وأبي...
توقف لحظة.
ثم قال
في ذلك اليوم قلت إنك وحدك في البيت. صحتك جيدة، أليس كذلك؟ لا تجعل أحدًا ينام عندك. هذه الأيام الناس لا يُؤتمنون.
اشټعل شيء في صدري.
قلت
صحيح يا ولدي. الناس لم يعودوا يُؤتمنون.
ساد صمت قصير من الجهة الأخرى.
ثم قال
أحبك كثيرًا يا أبي.
قلت له الجملة نفسها.
لكن هذه المرة
لم أشعر بذلك الدفء في حلقي. هذه المرة شعرت كأن فمي امتلأ بالرماد.
في اليوم التالي وصلت نتيجة المختبر.
لم تكن الحبة دواءً عاديًا للنوم. كانت من النوع الذي يمكن أن يسبب ضعفًا شديدًا في الجسم إذا أُخذ مع دواء الضغط، وبكمية أكبر قد يجعل الإنسان ينهار أثناء نومه، ويظن الجميع أنه رجل كبير في السن توقف قلبه فجأة.
قرأت التقرير.
قرأته ثلاث مرات.
وفي كل مرة كانت الكلمات تضيع أمام عيني.
قال سعدي بهدوء
هل ما زلت ستقول إنه ابنك؟
طويت التقرير ووضعته جانبًا وقلت
نعم. هو ابني. ولهذا سأعرف منه كم يظن أن حياة أبيه رخيصة.
قال
لا تواجهه مباشرة.
قلت
وماذا أفعل؟
سحب سعدي كرسيًا وجلس أمامي. كانت ركبته تؤلمه، لكن عينيه كانتا تحملان نفس صبر الرجل الذي قضى عمره في الدوائر الحكومية وبين المقاولين.
قال
ننصب له فخًا.
قلت
نحن لسنا شرطة.
قال
لا. نحن رجلان قضيا ثلاثين سنة في كشف حيل المقاولين. سنعرف حيلة الابن أيضًا.
وضعنا الخطة.
أول خطوة تغيير نسخة مفتاح البيت، لكن من دون أن يظهر ذلك. يجب أن يبقى القفل من الخارج كما هو. تغير قلب القفل فقط، حتى لا يلاحظ أحد الفرق.
الخطوة الثانية إخبار أم محمود بنصف الحقيقة. ليس كل شيء. فقط أن تتصل بمركز الشرطة إذا سمعت صوتًا غريبًا يوم الأحد أو رأت شخصًا غير معروف يدخل البيت.
الخطوة الثالثة تركيب كاميرتين صغيرتين في غرفة الجلوس والمطبخ. ابن أخت سعدي هو من رتب الأمر. لم أكن قد وضعت كاميرات في بيتي من قبل. كان بيتي مليئًا فقط بصور أمينة على الجدران. الآن أصبحت للجدران عيون.
أما الخطوة الرابعة فكانت الأصعب.
كان عليّ أن أمثل دور المړيض.
يجب أن يصدق علي أنني ضعيف. وحدي. وأن الطريق يوم الأحد سيكون مفتوحًا أمامه.
خلال اليومين التاليين تحدثت معه عمدًا بصوت منخفض. قلت له إنني أشعر بالدوخة. وإن شهيتي قليلة. وإن نفسي يضيق في الليل. وفي كل مرة كان يُظهر القلق. كلماته كانت حلوة دائمًا، لكنني كنت أسمع تحت تلك الحلاوة برودة الحديد.
ليلة السبت