بعد ثلاثة أشهر من السفر بسبب العمل

موقع أيام نيوز

من أجل نفسي أيضًا.
لأنني كنت أكتشف للمرة الأولى حجم الغفلة التي عشت فيها.
طوال ثلاث سنوات كنت أعتقد أن مشكلتنا الوحيدة هي تأخر الإنجاب، وأن التوتر الذي يظهر أحيانًا بين مريم وأمي لا يختلف عن الخلافات المعتادة الموجودة في كثير من البيوت.
كنت أسمع شكواها.
ثم أسمع تبريرات أمي.
وفي كل مرة أختار الطريق الأسهل.
الصمت.
أما الآن فقد أدركت أن الصمت ليس حيادًا كما كنت أتوهم.
بل موقف.
وموقف قد يتحول أحيانًا إلى خېانة.
ومع اقتراب الفجر اتخذت قراري أخيرًا.
لم يعد يكفيني أن أعرف ما حدث داخل هذا المنزل.
كنت أريد أن أعرف كيف بدأت القصة كلها.
ومن الذي حرك الخيوط من خلف الستار طوال تلك الاشهر
لم أعد أبحث عن تفسير لما حدث لمريم فقط.
كنت أبحث عن الجذور الأولى لكل ما جرى.
عن اللحظة التي بدأت فيها هذه الخطة تتشكل دون أن أنتبه.
وعن الأشخاص الذين استفادوا من بقائي بعيدًا عن بيتي كل تلك المدة.
مع شروق الشمس دخلت إلى غرفة مريم.
كانت مستيقظة.
أدركت من عينيها أنها لم تنم هي الأخرى.
جلست قربها بصمت.
وبقيت أنظر إليها عدة ثوانٍ.
كانت أضعف مما أتذكر.
وأكثر هدوءًا مما ينبغي.
قالت دون أن تنظر إليّ
هل ستسافر اليوم؟
أومأت برأسي.
ثم قلت
نعم.
لكنني لن أسافر للعمل هذه المرة.
رفعت عينيها نحوي.
فأكملت
سأذهب إلى بغداد.
وسأعود بالحقيقة كاملة.
ظل الصمت بيننا للحظات.
ثم سألت بصوت متعب
وهل ما زالت هناك حقيقة لم نعرفها بعد؟
شعرت بوخزة مؤلمة في صدري.
لأن السؤال لم يكن موجهًا إلى المؤامرة.
بل إليّ.
قلت بهدوء
نعم.
وهذه المرة لن أترك أحدًا يخفيها.
خفضت رأسها.
ثم قالت
كنت أتمنى لو قلت هذه الجملة قبل أشهر.
لم أجد جوابًا.
لأنها كانت محقة.
بعد ساعات كنت أجلس في الطائرة المتجهة إلى بغداد برفقة المحامي خالد.
فالشركة التي أبقتني بعيدًا عن بيتي طوال الأشهر الماضية كانت تملك مقرها الرئيسي هناك، ومن بغداد بدأت الخيوط الأولى التي أوصلت جاسم إلى حياتنا كلها.
كان خالد صديقًا قديمًا للعائلة، لكنه كان أول شخص نظر إلى الوقائع بعين القانون لا بعين المجاملة.
قرأ الملف الذي جمعناه خلال الأيام الماضية.
ثم أغلقه ببطء.
وقال
إن كانت نصف هذه الأدلة صحيحة فالأمر أخطر مما ظننت.
نظرت عبر نافذة الطائرة.
وقلت
كنت أظن أن أمي تريد فقط السيطرة على تفاصيل البيت.
أما الآن فأشعر أنني لا أعرفها أصلًا.
تنهد خالد...
وقال
بعض الناس لا يرون أبناءهم كأشخاص مستقلين.
يرونهم امتدادًا لأنفسهم فقط.
وعندما يرفض الواقع أن يطابق الصورة التي رسموها يبدأ الخړاب.
أغمضت عيني.
وعادت إليّ كلمات أمي.
مريم لا تصلح لهذا البيت.
مريم ضعيفة.
مريم لا تتحمل المسؤولية.
مريم لا تعرف كيف تكسب احترام الناس.
كانت تردد هذه الجمل سنوات طويلة.
وكنت أظنها مجرد انتقادات عابرة.
لكنني بدأت أفهم أخيرًا أنها لم تكن تحاول تغيير مريم.
بل كانت تحاول كسرها.
ما إن وصلنا إلى بغداد حتى توجهنا مباشرة إلى مقر الشركة.
كانت زينب تعمل هناك قبل أسابيع قليلة.
ولم تكن مجرد موظفة عادية.
بل كانت الحلقة التي بدأت تكشف الخيوط كلها.
وجدنا مكتبها فارغًا.
لا ملفات.
لا صور.
لا أغراض شخصية.
كأن أحدًا تعمد
تم نسخ الرابط