كذبت على أبي وأخبرته أنني أخفقت في امتحان الثانوية العامة

موقع أيام نيوز

على جانبي الطريق.
وباعة الذرة والترمس في الصيف.
وصوت الأطفال العائدين من المدرسة.
والجيران الذين يعرف بعضهم بعضًا منذ سنوات طويلة.
المنزل الذي تعلمت فيه ركوب الدراجة.
والذي كانت أمي تجلس في شرفته كل مساء وهي تحتسي قهوتها.
المنزل الذي أرادوا تحويله إلى مال ينفقونه على أحلام شخص آخر.
بدأ المحامي يراجع الأوراق.
ثم أخرج وصية أمي.
وبطاقتي الشخصية.
والمستندات الخاصة بالعقار.
وأوضح أن أي تصرف قانوني في العقار يستلزم حضور المالك الحقيقي والتحقق من هويته، وأن أي محاولة لانتحال الشخصية أو تقديم مستندات مزورة تُعرّض أصحابها للمساءلة القانونية.
ساد الصمت.
وكان أبي ينظر إلى الأوراق أمامه دون أن ينطق بكلمة.
أما زوجته فكانت تتحدث بلا توقف.
وقالت بانفعال
هذا البيت من حق العائلة كلها.
إنها ما تزال صغيرة ولا تفهم شيئًا.
نظرت إليها.
وقلت
أتممت الثامنة عشرة.
وأتذكر جيدًا أكثر مما تتخيلين.
ارتجف صوتي في النهاية.
وکرهت أن يرتجف.
لكنني لم أصمت.
كانت مروة تجلس على أحد المقاعد في الممر.
ما تزال ترتدي فستان الحفل.
بدت وكأنها شخص ضل طريقه وسط كل هذا.
حدقت في والدتها طويلًا.
ثم قالت بصوت خاڤت
هل كنت أعلم؟
لم تكن تسألني.
بل كانت تسأل نفسها.
استدارت أمها نحوها بعصبية.
وقالت
فعلت كل هذا من أجلك.
فاڼفجرت مروة بالبكاء.
وقالت
لا تستخدمي اسمي لسړقة أحد.
بدت تلك الكلمات وكأنها صڤعة حقيقية.
وأخفضت زوجة أبي رأسها للمرة الأولى.
في تلك الليلة بدأت الإجراءات القانونية رسميًا.
وتحررت المحاضر اللازمة.
وأُخذت أقوال الجميع.
ولم أعد أعرف كم كان من كلامهم حقيقة.
وكم كان مجرد محاولة للنجاة.
أما أنا...
فلم أشعر بالانتصار.
شعرت بالإرهاق فقط.
وكأن سنوات كاملة مرت فوق صدري في يوم واحد.
عند الثالثة فجرًا اصطحبتني خالتي إلى مقهى صغير لا يغلق أبوابه.
جلست أمام كوب من الشاي الساخن.
كانت خالتي تختار دائمًا الأماكن الأرخص.
أعرف أن راتبها البسيط من عملها بالكاد يكفي إيجار شقتها القديمة ومصاريف الشهر.
وكانت كثيرًا ما تؤجل شراء أي شيء لنفسها إذا ظهر مصروف مفاجئ.
حتى كوب الشاي الذي طلبته لنفسها كانت تتركه يبرد لتشربه على مهل، وكأنها تحاول أن تجعل القليل يكفي أكثر.
ومع ذلك لم تشتكِ يومًا.
ولم تتركني وحدي لحظة.
وأمسكت الظرف الذي يحوي أوراق أمي.
وقالت خالتي بهدوء
كانت أمك ستفخر بك.
هززت رأسي.
وقلت
لا.
كانت ستغضب كثيرًا.
ابتسمت خالتي بحزن.
ثم قالت
نعم... كانت ستفعل ذلك أيضًا.
في صباح اليوم التالي ذهبنا إلى البيت.
لم أستطع الانتظار أكثر.
كان مغلقًا منذ شهور.
تغطيه طبقة من الغبار.
وتحيط بالنوافذ نباتات متسلقة نمت وحدها طوال السنوات الماضية.
وقفت أمام الباب طويلًا.
ثم أخرجت المفتاح الذي احتفظت به خالتي طوال السنوات الماضية بناءً على وصية أمي.
لم أجرؤ يومًا على استخدامه.
كنت أخاف أن أدخل البيت وحدي قبل أن يحين الوقت.
أدرته ببطء.
ودخلت.
استقبلتني رائحة الخشب القديم.
والرطوبة.
والذكريات.
كان كل شيء تقريبًا في مكانه.
مكتبة أمي.
أكوابها المفضلة.
وصور قديمة معلقة على الجدار.
حتى النبتة الجافة التي كانت تضعها قرب النافذة ما تزال هناك.
مددت يدي ولمست الحائط.
وكأنني ألمس يدها.
وعندها فقط...
بكيت.
لم أبكِ بسبب أبي.
بل بسببها هي.
بسبب كل ما فعلته لتحميني حتى بعد رحيلها.
وبسبب قربهم الشديد من سړقة آخر شيء تركته لي.
تركتني خالتي أبكي حتى هدأت.
ثم أخرجت ظرفًا قديمًا من حقيبتها.
وقالت
أعتقد أن الوقت حان.
نظرت إلى الظرف.
فوجدت اسمي مكتوبًا بخط أمي.
شعرت بأنفاسي تتعثر.
فقالت خالتي بهدوء
أمك سلمتني هذا الظرف قبل ۏفاتها بأيام.
وطلبت مني ألا أعطيه لك إلا بعد أن تكملي الثامنة عشرة.
فتحت الظرف بحذر.
كانت الرسالة قصيرة.
لكنها غيّرت شيئًا بداخلي إلى الأبد.
ابنتي هدى...
إذا كنت تقرئين هذه الرسالة الآن فهذا يعني أنك أصبحت راشدة، وأن البيت صار بين يديك.
لم أتركه لك لأنه يساوي مالًا.
بل لأن المرأة تحتاج دائمًا إلى مكان لا يستطيع أحد أن يطردها منه.
قد يبدو بعض الناس لطفاء عندما يريدون شيئًا.
وقد يصبحون قساة عندما لا يحصلون عليه.
لا تخلطي بين صلة الډم والحب.
ولا تخلطي بين الجدران والبيت.
ادرسي.
سافري.
عودي.
افعلي
تم نسخ الرابط