اتصل بي حفيدي ليلة العيد وهمس
المحتويات
المنزل.
حتى أصوات التلفاز القادمة من غرفة الجلوس بدت بعيدة.
ورأيت أصابع زينب تنقبض حول طرف عباءتها.
ولأول مرة منذ وصولي إلى المنزل لم تحاول الرد أو التبرير.
كانت تنظر إلى الممر المؤدي إلى غرف الأطفال وكأن ما يوجد هناك أخطر عليها من وجودي أنا نفسه.
وفجأة...
ظهر وجه صغير عند مدخل الممر.
كانت مريم.
وقفت مترددة، وعيناها محمرتان من البكاء.
وحين رأتني، أسرعت نحوي قبل أن تتمكن زينب من منعها.
تعلقت بطرف ثوبي وهمست بصوت مرتجف
جدي...
ثم رفعت رأسها نحوي وقالت جملة جعلت الجميع يلتفت إليها
لا تدعوها تدخل غرفتنا مرة أخرى.
شعرت بأن زينب شحبت في اللحظة نفسها.
أما أحمد فنظر إلى ابنته باستغراب.
وقال
ماذا تقصدين يا مريم؟
لكن الطفلة لم تنظر إليه.
بل ظلت متمسكة بي وهمست
الحقيبة ما زالت تحت السرير...
ماذا تقصدين يا مريم؟
لكن الطفلة لم تنظر إليه.
بل ظلت متمسكة بي وهمست
الحقيبة ما زالت تحت السرير...
ثم سكتت فجأة.
وكأنها قالت أكثر مما ينبغي.
رفعت زينب رأسها بسرعة نحوها، وفي عينيها نظرة جعلت مريم تختبئ خلفي فورًا.
أما أحمد فبدا عاجزًا عن فهم ما يجري.
نظر إلى ابنته ثم إلى زوجته ثم إليّ.
وقال بضيق واضح
ما هذه الحقيبة أصلًا؟
لم تجبه مريم ولم تجب زينب أيضًا.
وكان ذلك الصمت وحده كافيًا ليؤكد لي أن الأمر أكبر مما تخيلت.
عدلت علي بين ذراعي.
ثم استدرت نحو الممر المؤدي إلى غرف الأطفال.
فقال أحمد بسرعة
أبي... إلى أين؟
نظرت إليه.
وقلت
إلى الغرفة.
لا داعي لذلك.
بل هناك داعٍ كبير.
وتقدمت خطوة. لكن زينب سبقتني ووقفت في طريقي.
كانت تحاول التظاهر بالهدوء، إلا أن الارتباك كان واضحًا في ملامحها.
وقالت
عمي... الأطفال خائڤون، والأفضل أن تنتهي هذه الليلة بهدوء.
قلت دون أن أتوقف
لو كنتِ تريدين الهدوء لما حبستِ طفلًا في مخزن.
ارتجفت شفتاها.
ثم قالت
أنت تفهم الأمور بطريقة خاطئة.
ربما.
ثم نظرت مباشرة إلى عينيها.
وأكملت
ولذلك سأرى الحقيقة بنفسي.
تراجعت خطوة صغيرة دون أن تشعر.
وفي تلك اللحظة تأكدت أنني أسير في الاتجاه الصحيح.
دخلت الممر وكانت مريم تسير خلفي.
بينما بقي أحمد واقفًا مكانه للحظات قبل أن يلحق بنا.
أما زينب فجاءت أخيرًا.
لكنها لم تعد تبدو واثقة كما كانت قبل دقائق.
وصلنا إلى غرفة الأطفال دفعت الباب ببطء.
فانفتح أمامي مشهد جعل قلبي ينقبض.
كانت الغرفة مرتبة ظاهريًا.
لكن شيئًا فيها بدا حزينًا.
على الجدار آثار أماكن نزعت منها صور أو ملصقات.
وفي إحدى الزوايا دمية قديمة ممزقة الذراع.
وعلى المكتب أوراق مطوية بعناية وكأن أحدًا أخفاها على عجل.
أما مريم فاقتربت من السرير الصغير وأشارت بيد مرتجفة.
وقالت
هناك.
انحنيت بصعوبة.
ورفعت الغطاء المتدلي من جانب السرير ثم مددت يدي إلى الداخل.
وبعد لحظات لامست أصابعي شيئًا سحبته ببطء.
كانت حقيبة مدرسية زرقاء قديمة.
ما إن ظهرت حتى شهقت زينب دون إرادة منها أما أحمد فحدق فيها باستغراب حقيقي.
وقال
ما الذي يوجد داخلها؟
لم يجبه أحد وضعتها فوق السرير ثم فتحت السحاب ببطء.
كان الصمت يخيم على الغرفة كلها.
حتى علي، الذي كان ما يزال بين ذراعي، فتح عينيه بصعوبة وكأنه ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
أدخلت يدي إلى الحقيبة وأخرجت أول شيء.
كانت السيارة الحمراء السيارة نفسها التي اشتريتها له.
رأيتها فعرفت فورًا أنني لم أكن أتوهم شيئًا.
ثم وجدت علبة صغيرة.
فتحْتها فوجدت بداخلها بطاقة ذاكرة.
وتحتها مجموعة من الصور القديمة المطوية بعناية.
رفعتها ببطء وبمجرد أن رأتها زينب شحبت أكثر.
أما مريم فانهمرت دموعها من جديد لم أفحص الصور حينها.
كان هناك
شيء أهم الټفت نحو علي.
فوجدته ينظر إلى بطاقة الذاكرة.
ثم همس
شغّلها يا جدي.
نظرت إلى أحمد.
فقال بارتباك
أبي... ربما من الأفضل أن نتحدث أولًا.
قلت
تأخر وقت الكلام.
أخرجت هاتفي وأدخلت بطاقة الذاكرة.
وبعد محاولات قصيرة ظهر أول مقطع مصور.
كانت الصورة مهتزة في البداية.
وكأن الكاميرا موضوعة داخل السيارة الصغيرة.
ثم استقرت وأصبحت تُظهر جزءًا من غرفة الجلوس.
ساد الصمت
متابعة القراءة