لحم ارسلته امي

موقع أيام نيوز

ما كانش مجرد صوت
كان إحساس إن حد بيعرفني من زمان قوي أكتر مني أنا نفسي.
اتجمدت مكاني.
مش عارفة الصوت جه منين.
من ورايا؟ من جنبي؟ من جوا البيت كله؟
حاولت أتكلم، بس صوتي ما طلعش.
وفجأة
النور رجع يشتغل.
لكن مش كامل.
لمبة واحدة بس في المطبخ كانت شغالة، بتترعش كأنها بتتنفس بصعوبة.
والبيت كله اتغير.
حيدر واقف بعيد خطوة عني، عينه مليانة ذهول وخوف في نفس الوقت.
حماتي لأول مرة في حياتها، كانت مش قادرة ترفع عينها في عيني.
الراجل اللي قال إنه من دار الأيتام كان ثابت، لكن وشه فقد هدوءه الأول.
والست اللي جابت الملف كانت بتبص ناحية الممر اللي ورايا.
كأنها شايفة حد مش ظاهر.
أنا بصيت حواليّ ببطء.
مين قال الكلمة دي؟
سكون.
الضابط شد سلاحھ شوية للأمام بحذر
مفيش حد اتكلم غيرنا.
لكن نفس الصوت رجع تاني.
بس المرة دي أقرب.
أنا.
لفيت بسرعة.
مفيش حد.
لكن باب أوضة النوم كان مفتوح وبيتهز ببطء كأنه حد لسه خارج منه.
حيدر صړخ
محدش يدخل الأوضة دي!
لكن الست قاطعته
متأخر.
وبصت لي
الحقيقة مش بس في الورق يا نور الحقيقة كانت عايشة معاكم هنا.
خطوة خطوة
دخلت أوضة النوم.
والكل ورايا، لكن كأننا بندخل مكان مختلف عن نفس البيت.
الأوضة كانت هادية بشكل غير طبيعي.
لكن فوق التسريحة
كان فيه صندوق صغير مفتوح.
وجواه صورة قديمة.
صورتين.
طفلة صغيرة شبهّي بشكل مخيف
وبجانبها طفل تاني.
نفس الملامح تقريبًا.
نفس العيون.
حيدر همس
مين دول؟
الست ردت
توأم.
الكلمة دي وقعت تقيلة.
حماتي فجأة قالت بصوت مكسور لأول مرة
لا
بس الست كملت
يوم الولادة ما كانش فيه طفلة اتبدلت كان فيه طفلين اتفرقوا.
سكتت ثانية.
ثم أضافت
واحد عاش هنا باسم غلط.
والتاني اتسجن في مكان تاني طول عمره.
أنا رجعت خطوة لورا.
يعني إيه اتسجن؟
الراجل من دار الأيتام قال بصوت منخفض
يعني واحد منكم كان معروف والتاني اتقال إنه ماټ.
حيدر بص لي
وإنتي مين فيكم اللي كان المفروض ېموت؟!
قبل ما أرد
الصورة اللي في إيدي وقعت لوحدها على الأرض.
وقبل ما تلمس الأرض
سمعت نفس الهمس تاني واضح جدًا
بس المرة دي من جوه الصورة نفسها
مش أنا اللي مت يا نور
أنا اللي اتسحبت مكانك الصورة اللي وقعت على الأرض ما كانتش مجرد ورقة كانت كأنها پتنزف معنى جديد للحكاية.
الكل اتجمد في مكانه.
حتى الصوت اللي في الممر برّه الشقة اختفى، كأن العالم نفسه بيحاول يسمع اللي جوا.
حيدر انحنى ببطء ورفع الصورة.
بص فيها وبعدين بص لي.
نظرة مش مفهومة. مش شك ولا يقين.
حيرة تقيلة.
اتسحبت مكانك إزاي؟!
الست اقتربت خطوة وقالت
لأنها ما اتولدتش في المكان اللي اتسجل فيه واتنقلت وهو لسه عنده ساعات.
حماتي فجأة همست
ما تكمليش
بس صوتها كان ضعيف، كأنه مش أمر كأنه رجاء.
الراجل من دار الأيتام فتح ملفه بسرعة، وقلب صفحات كأنه بيدوّر على حاجة بيحاول يهرب منها.
وقال
فيه تسجيل قديم من بعد الولادة مباشرة.
الضابط رفع عينه
شغّله.
الراجل ركب جهاز صغير جايبه معاه.
ضغط زر.
وصوت قديم رجع يملأ الأوضة لكن المرة دي كان أوضح.
صوت بكاء طفلين مش واحد.
ثم صوت طبيبة مرهقة
الطفلة الأولى خرجت بخير والثاني ضعيف جدًا لازم نحدد بسرعة.
صوت رجل تاني
الأم مش هتستحمل تعرف إن في توأم.
سكتة قصيرة.
ثم صوت الباب بيتقفل.
وبعدها جملة واحدة غيرت كل حاجة
نخلي واحد بس يعيش باسم العيلة والتاني يطلع بره النظام.
حيدر ساب الصورة من إيده
بره النظام يعني إيه؟!
لكن الست ما ردتش عليه.
كانت عينيها عليّ أنا.
وقالت بهدوء
يعني اتسجل كأنه ماټ واتسلّم لجهة تانية.
سكتت ثانية.
ثم أضافت
وجهة التانية دي ما كانتش دار أيتام عادية.
الراجل شد نفس طويل وقال
كانت جهة إعادة توزيع تبنّي غير رسمي.
حماتي فجأة اڼفجرت
كفاية! الكلام ده هيهد البيت!
لكن البيت كان خلاص بيتكسر من جوه.
أنا بصيت حواليّ.
كل حاجة بقت مش واضحة.
حتى أنا.
وحيدر همس
طب لو في توأم التاني فين؟
سكون.
مرة واحدة.
الست ردت
السؤال الصح مش فينه السؤال مين اللي كان عارف مكانه طول الوقت.
عيونها اتجهت ناحية حماتي.
الكل لف في نفس الاتجاه.
حماتي وقفت مكانها.
مش بتنكر.
ولا بتعترف.
بس للمرة الأولى كانت ساكتة بطريقة مختلفة.
صمت مش دفاع صمت استسلام.
حيدر بص لها
أمي إنتي تعرفي إيه؟!
ما ردتش.
بس إيديها كانت بتترعش.
وفجأة
رن تليفون الضابط.
رد بسرعة.
سماعناه كلنا.
صوت من الطرف التاني كان مستعجل
في حالة جديدة ظهرت في النظام ملف قديم اتفتح تلقائيًا فيه تطابق بصمات مع السيدة اللي قدامك.
الضابط رفع عينه ببطء.
وبص لي.
وقال
الملف بيقول إنكِ مش بس نور
ثم سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت كل اللي في البيت يتغير تاني
بيقول إنكِ كنتِ مفقودة رسميًا من نفس العيلة اللي واقفة قدامك دلوقتي.
والصمت اللي بعد الجملة دي
ما كانش صمت بيت.
كان صمت اڼهيار كامل للحقيقة الصمت اللي وقع بعد جملة الضابط كان تقيل لدرجة إنك تحس البيت نفسه بيحاول يتنفس.
حماتي ما اتحركتش.
بس ملامحها بدأت تتكسر تدريجيًا، كأنها فقدت السيطرة على حاجة كانت ماسكاها بإيدها طول عمرها.
حيدر رجع خطوة لورا وقال بصوت مبحوح
مفقودة من نفس العيلة؟ إزاي يعني؟!
الضابط قفل التليفون ببطء
النظام بيأكد تطابق بيانات قديمة جدًا بلاغ اختفاء تم تسجيله من أكتر من عشرين سنة باسم طفلة من نفس خط العائلة.
رشا همست وهي مړعوپة
إحنا كده بنلعب في تاريخ مش مفهوم
لكن الست اللي جابت الملف تقدمت خطوة واحدة للأمام.
وقالت بهدوء
مش تاريخ مش مفهوم ده تاريخ اتخبّى عمدًا.
وبصت لحماتي مباشرة
وإنتي عارفة ده كويس.
حماتي فجأة رفعت صوتها
أنا ماعملتش حاجة!
لكن صوتها ماكانش ثابت كان بيتكسر مع كل كلمة.
أنا كنت واقفة في النص مش عارفة أهرب من النظرات اللي حواليا.
كل واحد بيبص لي كأن عندي إجابة مش معروفة.
حيدر اقترب مني، صوته أهدى بس أخطر
قوليلي الحقيقة إنتي فاكرة حاجة؟ أي حاجة؟
فتحت فمي وسكت.
لأني فجأة حسّيت بحاجة غريبة.
مش ذكرى واضحة
لكن إحساس.
إحساس بأوضة باردة نور أبيض وصوت ست بټعيط بصمت.
مسكت راسي.
أنا أنا مش فاكرة.
الست اقتربت مني وقالت بهدوء
لأنهم ماخلوش ذاكرة الطفل تكمل طبيعي.
الضابط رفع عينه بسرعة
تقصدي إيه؟
ردت
فيه تدخل حصل بعد الاختفاء تعديل نفسي بدائي مش طبي رسمي، لكن كفاية يمسح
الذاكرة الجزئية.
حيدر صړخ
إنتوا بتتكلموا عن إنهم لعبوا في عقلها؟!
الست ما ردتش عليه.
كانت بتبص لحماتي.
والمرة دي نظرتها كانت حاسمة
مش بس لعبوا في عقلها لعبوا في حياتين.
وفجأة
حماتي خطت خطوة للأمام.
خطوة واحدة بس.
لكنها كانت كفيلة تخلي كل العيون عليها.
وقالت بصوت منخفض جدًا
كفاية
ثم رفعت عينيها لأول مرة وهي بتبص لي مباشرة.
إنتي مش نور.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت الأرض نفسها تهتز
إنتي اللي المفروض ما كانش ليكِ وجود أصلاً.
وفي نفس اللحظة
صوت تكسير جه من أوضة الصندوق.
الكل لف بسرعة.
الصندوق الخشبي القديم اللي اتفتح قبل كده
كان بيتفتح تاني لوحده.
لكن المرة دي
مش فاضي.
كان جواه ورقة جديدة لسه بتطلع من جوه كأنها اتكتبت للتو.
الضابط دخل بسرعة، مسكها.
وقرأ بصوت واطي
في حالة فتح الملف الكامل يتم تفعيل الحقيقة النهائية.
رفع عينه ببطء.
وقال
مين فتح الملف كامل؟
كل العيون اتجهت ليّ وبعدين لحماتي وبعدين للست
لكن الست قالت جملة واحدة
مش إحنا.
سكتت ثانية.
ثم أضافت وهي تبص ناحية الباب
هو اللي فتحه.
وفجأة
نور الشقة كلها طفى مرة واحدة.
بس قبل ما الضلمة تكمل
سمعنا صوت خطوة واحدة بس جوه البيت.
ثم صوت نفس قريب جدًا مننا.
وقال بصوت هادي جدًا
أخيرًا حد قرر يعرف الحقيقة كلها الصوت كان قريب لدرجة إنك تحس إنه جاي من جوا صدر كل واحد فينا في نفس اللحظة.
مش من الباب.
مش من الممر.
لكن من المكان اللي واقفين فيه بالظبط.
الضابط رفع سلاحھ بسرعة وقال بصوت حاد
مين موجود هنا؟!
مفيش رد.
بس الصوت رجع تاني أهدى المرة دي
ما تخافوش أنا اللي المفروض
تم نسخ الرابط