لحم ارسلته امي
أرسلت لي أمي عشرة كيلوغرامات من اللحم المدخن من إحدى قرى محافظة نينوى، لكن زوجي، وما إن رآها، حتى اتصل بوالدته وطلب منها أن تأتي فورًا لتأخذها كلها . لكن عندما دخلت حماتي إلى الشقة وفتحت الثلاجة، كادت تختنق من شدة الڠضب.
وصلت الطردية في الصباح الباكر، وما زالت برودة الطريق عالقة بها. جلست عند باب الشقة وبدأت أقطع الأشرطة اللاصقة بمقص قديم.
كانت أمي قد لفّتها وكأنها ترسل شيئًا ثمينًا لا يُقدّر بثمن. طبقات من النايلون، وصناديق عازلة، وجرائد محشوة في الزوايا، وفي الوسط كانت القطع مرتبة بعناية شديدة.
وما إن فتحت آخر كيس حتى ضړبتني الرائحة مباشرة.
رائحة الدخان والملح والدهن والحطب.
الرائحة نفسها التي كانت تملأ بيتنا أيام الشتاء في طفولتي.
بدأت أعد القطع بهدوء.
عشر قطع كاملة.
كل قطعة تزن كيلوغرامًا تقريبًا.
كانت أمي قد ربّت ذلك الخروف طوال عام كامل، وبرغم آلام ظهرها وتعبها، أصرت أن تجهزه بنفسها وترسله إليّ في بغداد.
شعرت بغصة في حلقي.
أمي تبلغ من العمر واحدًا وستين عامًا.
ويوم ذبحوا الخروف اتصلت بي عبر الفيديو وهي تضحك بسعادة، وتُريني اللحم وتقول إن الخروف خرج ممتازًا هذا العام.
كنت على وشك إدخال كل شيء إلى الثلاجة عندما فُتح باب غرفة المكتب.
خرج زوجي حيدر وهو يتحدث بالهاتف بصوت منخفض، ظنًا منه أنني لا أسمعه.
قال
يمّه، وصل اللحم... إي والله ممتاز... تعالي بسرعة إنتِ ورشا... وخذوا كل اللي تكدرون عليه.
تجمدت في مكاني وأنا أحمل إحدى القطع بين يدي.
ثم خفض صوته أكثر، لكنني سمعته بوضوح.
هي أصلًا ما تنتبه... واللي ترسله أمها مو ذاك الشي المهم... استعجلوا لأن عندها دوام العصر.
لم أقل شيئًا.
لم أتشاجر.
ولم أفتعل أي مشكلة.
كل ما فعلته أنني رفعت هاتفي، والتقطت صورة للحم، ثم أرسلتها إلى أمي مع رسالة قصيرة.
يمّه... حيدر اتصل بأمه حتى تجي هي وأخته ويأخذون كل شيء.
تأخرت أمي دقيقتين فقط في الرد.
دقيقتين بالضبط.
ثم أرسلت تسجيلًا صوتيًا.
قالت فيه
مريم، اسمعيني زين. هذا اللحم إلك إنتِ. ولا قطعة وحدة تطلع من البيت. سوي اللي راح أكولج عليه.
ثم أرسلت تسجيلًا ثانيًا.
شغّلته فورًا.
وهناك، وأنا جالسة على أرض المطبخ، اڼفجرت بالضحك.
ضحكت حتى دمعت عيناي.
أخرجت القطع العشر كلها من الثلاجة ووضعتها داخل كيس أسود كبير.
ثم ارتديت حذائي الرياضي ومررت قرب غرفة المكتب.
قلت
نازلة أستلم غرض باقي من شركة التوصيل.
قال من الداخل
زين.
نزلت وأنا أحتضن الكيس كأنني أحمل شيئًا حيًا.
كان الهواء قويًا في ساحة البناية.
عبرت الشارع ودخلت الزقاق المقابل.
في آخره كان هناك بيت قديم متعدد الطوابق.
صعدت إلى الطابق الرابع وطرقت الباب.
فتحت لي ابنة خالتي سحر.
وقالت وهي تفسح الطريق
خالتي اتصلت بي. حطيه مباشرة بالفريزر.
لم تسألني عن أي شيء.
ولم تكن بحاجة للسؤال أصلًا.
بدأت أرتب القطع واحدة تلو الأخرى داخل المجمدة الموجودة في الشرفة.
قدمت لي سحر فنجان قهوة وجلست تنظر إليّ بنظرة شخص تعب من الصمت أكثر من صاحبه.
ثم قالت
إنتِ مو بخيلة يا مريم. حماتج صارلها سنوات تطلع من بيتج بكل شي يعجبها.
لم أجب.
فأكملت
يوم فقدتي الطفل، إجت وياها صواني بيض، وطلعت وهي شايلة علبة الفيتامينات اللي إنتِ شاريتها لنفسج. لو ناسية؟
شددت قبضتي على الفنجان.
لم أنسَ.
لكنني اعتدت أن أبتلع كل شيء حتى لا تتحول حياتي إلى مشاكل يومية.
وعندما خرجت من عندها، مررت بالسوق الشعبي.
اشتريت كيلوين من لحم البطن الطازج المليء بالدهن، بحيث يبدو من بعيد مشابهًا للحم المدخن.
لم يكن مثله طبعًا.
لكنه كان كافيًا لما أريده.
وعندما عدت إلى الشقة، لم يكن حيدر في غرفة الجلوس.
كان هناك ضجيج صادر من المطبخ.
اقتربت بهدوء.
فوجدته جاثيًا أمام الثلاجة والباب مفتوح على مصراعيه.
وكانت الأغراض مبعثرة في كل مكان.
كان يبحث بشكل هستيري.
وحين الټفت ورآني، شحب وجهه فورًا.
وقال
وين اللحم؟
وضعت كيس السوق فوق الرخامة.
وقلت
أي لحم؟
قال پغضب
لا تمثلين يا مريم. اللحم اللي أرسلته أمج. مو موجود.
اقتربت من الثلاجة وتظاهرت بالدهشة.
كان الرف شبه فارغ.
لم يبقَ سوى قدر فاصوليا وبعض الخبز اليابس وكيس خضار مجمدة.
قلت
غريب... أني خليته هنا.
ابتلع ريقه.
ثم قال
يمكن نقلتيه لمكان ثاني.
قلت
لا. ومنو غيري ممكن يحركه؟
أشاح بنظره بعيدًا.
وفي تلك اللحظة بالذات، رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم ثلاث مرات متتالية وكأن أحدهم سيكسر الباب.
قفز حيدر من مكانه وركض نحو المدخل.
أما أنا فبقيت واقفة حيث أنا.
وما إن فتح الباب حتى اجتاح صوت حماتي البيت كله.
حيدر! وين اللحم؟ يلا استعجل! حتى جبنا أكياس ويانا!
وخلفها كانت تقف رشا، أخت زوجي، بابتسامة لا تخفي طمعها.
وقالت
يمّه تكول أكو عشرة كيلو. اثنين لخالتي أم أحمد، واثنين لعمتي، والباقي نشوف شلون نوزعه.
فتحت أنا باب الثلاجة في اللحظة نفسها التي دخلت فيها حماتي إلى المطبخ وهي ما تزال ترتدي حذاءها.
وقفت أمامي مباشرة.
ثم نظرت داخل الثلاجة.
وتجمدت في مكانها.
الجزء الثاني.. سيكشف أن اختفاء الطعام لم يكن سوى بداية المشكلة، وأن ما كانت تخطط له الحماة وابنتها داخل منزل الزوجة أخطر بكثير مما توقعه الجميع تجمدت حماتي في مكانها.
كانت عينيها مثبتة على رف الثلاجة الفارغ كأنها لا تصدّق ما تراه. حتى رشا خلفها سكتت فجأة، وابتسامتها اختفت كأنها انمحَت بقطعة قماش.
ثواني طويلة مرّت بدون أي صوت إلا صوت الثلاجة وهي تطنّ بهدوء بارد يزيد التوتر بدل ما يخففه.
ثم خرج صوت حماتي أخيرًا، منخفض لكنه مليان ڼار
وينه؟
لم أجب فورًا. اكتفيت بالنظر لها، ثم للثلاجة، ثم لحيدر اللي كان واقف عند باب المطبخ كأنه يحاول يهرب بعينه من أي مواجهة.
قالت مرة ثانية، أعلى
اللحم وين يا مريم؟
رفعت كتفي بهدوء مصطنع وقلت
ما بعرف كان هنا الصبح.
رشا اندفعت خطوة للأمام
يعني إيه ما تعرفيش؟ عشر كيلو مش طبق صغير!
حيدر تدخل بسرعة، بصوت متوتر
يمكن يمكن اتنقل بالغلط
التفتت له حماتي فجأة، نظرة واحدة منه كفيلة تسكته
اتنقل إزاي يعني؟ بيتك ده ولا مخزن؟
ثم اقتربت مني خطوة خطوة، لحد ما وقفت قدامي مباشرة.
كانت قريبة لدرجة إني أشم عطرها الثقيل ممزوج بڠضبها.
وقالت بصوت واطي أخطر من الصړاخ
إنتِ خبّيتيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
مش استفزاز لكن هدوء غريب.
وقلت
ليه أخبّيه؟ ده لحمكوا إنتوا.
سكتت ثانية.
ثم فجأة لفّت للمطبخ كله، وبدأت تفتح الأدراج پعنف. تفتش في كل ركن، كأنها لو لقت اللحم هيكسبها المعركة.
رشا بدأت تساعدها، تقلب في الأكياس، تفتح الخزائن، حتى حيدر نفسه اضطر يتحرك، لكن حركته كانت بطيئة كأنه بيعدّ الخسائر مش بيدور على حاجة.
وأنا وقفت في النص.
مش بحرك إيدي.
مش بقول كلمة.
بس أراقب.
وفجأة، حماتي صړخت
ده مش طبيعي! في حد دخل وأخده!
حيدر رد بسرعة
مستحيل، الباب مقفول.
نظرت له بنظرة حادة
يعني عايز تقول إن بنتك مرمية في شغلها ومش قادرة تحافظ على حاجة جاية من أمها؟
حيدر سكت.
وهنا حصل اللي أنا كنت مستنياه.
اللوم بدأ يتحول.
مش عليّ أنا لكن بينهم هما.
رشا قالت بسرعة
يمكن اتاخد بالغلط يمكن حد من الجيران
حماتي قاطعتها
الجيران إيه؟ ده لحم نازل مخصوص ليكي إنتِ يا رشا!
التوتر بدأ يكبر، والبيت اللي كان هادي قبل ساعة بقى ساحة صدام.
وفي اللحظة دي، رن هاتفي.
نظرت للشاشة.
أمي.
رفعت السماعة بهدوء، وخرجت من المطبخ خطوتين.
صوت أمي كان ثابت جدًا، عكس العاصفة اللي جوا
مريم ما تخليش
حد يرفع صوته عليكي.
سكتت.
ثم أضافت
اللحم ما ضاعش.
قلبي دق.
قلت بهمس
يعني إيه؟
قالت
إنتي مشيتيه زي ما قلتلك.
ابتسمت ڠصب عني.
لكنها كملت، وصوتها اتغير لأول مرة
بس في حاجة أهم من اللحم حيدر مش هيسكت. واللي جاي