بعتت رسالة بالغلط
عيناه تعكسان خجلاً وندماً حقيقياً، وقال بصوت أثقل من قبل أنا كنت جباناً جداً، وغلطان غلطة كبيرة، ومش عارف كيف أطلب منك السماح. التحويلات المالية الغريبة اللي لقيتيها، مش أنتِ اللي عملتيها، ولا ليكي أي علاقة بيها. كانت بتاع رئيس مجلس الإدارة السابق، كان بيعمل تحويلات غير مصرح بها لحسابات خاصة به، ولما اكتشفتيها وسألتيني، خفت جداً. خفت لو تكلمتي، أو لو وصل الكلام لحد تاني، أفقد منصبي، أو أتعرض لمساءلة قانونية، أو حتى أخسر كل ما بنيته. فقررت ألقي اللوم عليكِ، لأنك كنتِ الموظفة المباشرة المسؤولة عن الحسابات، وكنت أتوقع إنكِ مش هتقدري تثبتي براءتك، خاصة إنكِ لوحدكِ ومش عندكِ دعم قوي.
اتسعت عينا سارة أكثر، وشعرت پغضب عارم يختلط مع ألم عميق، وقالت بصوت يرتجف من شدة الانفعال يعني عشان تحمي نفسك، وعشان تحافظ على منصبك وكرسيتك، ډمرت حياتي كلها؟ أنا كنت مجتهدة، وأمينه، وكنت بشتغل بكل جهدي عشان أربي بنتي، ومش عندي حد في الدنيا غيرها، وانت أخذت مني مصدر رزقي، واتهمتني بأبشع تهمة ممكن تتوجه لمحاسبة، وخلّيتني أعيش في ضيق وذل لثلاثة شهور؟!
تدخل عمر المنصوري بهدوء، محاولاً تهدئة الموقف، وقال لما طلبت من مساعدي الخاص يجمع كل المعلومات المتاحة عنك، لقينا إن في تناقضات كتير في الأوراق اللي قدمتها الشركة وقت الفصل، وإن الأدلة كانت ضعيفة جداً ومش كاملة. فقررت أتأكد، ولما بحثنا أكتر، وصلنا لمعلومات بتشير لوجود تلاعب أكبر. فطلبت من الأستاذ محمود يجي معانا، عشان يوضح كل شيء، وعشان يتحمل مسؤولية أفعاله قدامك وقدام القانون.
أكمل محمود كلامه، وأخرج ملفاً سميكاً من حقيبته الجلدية، ووضعه على الطاولة، وقال لما عرفت إن الأستاذ عمر بيسأل عن الموضوع، وإن الحقيقة ممكن تظهر في أي لحظة، خفت على نفسي، وقررت أتوب وأعترف. جبت معايا كل الأوراق الأصلية، وكل الحسابات الحقيقية، وكل التواقيع اللي بتثبت إن التلاعب حصل من جهة أخرى، وإنكِ بريئة تماماً ولا يوجد لكِ أي علاقة بالموضوع. ده الملف كله، فيه كل الأدلة، وكل ما يثبت براءتك بشكل قاطع ولا يمكن إنكاره.
مد يده وفتح الملف، وبدأ يريها الأوراق، والتواقيع، والتحويلات، والتواريخ، وكل التفاصيل الدقيقة. اقتربت سارة بتردد، ومسكت الأوراق بيدين مرتعشتين، وبدأت تقرأ فيها، وتتابع الحسابات، وتتأكد من كل كلمة مكتوبة. ومع كل ورقة تقلبها، كانت تشعر بأن حملاً ثقيلاً جداً ينزل شيئاً فشيئاً من على صدرها. الدموع بدأت تتجمع في عينيها، لكنها لم تكن دموع حزن فقط، بل كانت دموع صدمة، ودموع أمل بدأ يلوح في الأفق.
رفعت عينيها ونظرت إلى عمر، وقالت بصوت مختلط بالبكاء والدهشة مش عارفة أشكرك إزاي يا أستاذ عمر أنا كنت فاكرة إن الدنيا أغلقت أبوابها في وشي، وإن مفيش أمل في إن الحقيقة تظهر أبداً. كنت مستسلمة، ومش عارفة أعمل إيه عشان أربي بنتي.
ابتسم عمر ابتسامة دافئة، وقال لها أنا مش بعمل ده عشان أتكرم، ولا عشان أريد منك أي مقابل. أنا عرفت معنى الحاجة والفقر والذل من صغري، عشت أياماً صعبة جداً مع أمي، وعرفت إيه معنى إنك تكون محتاج ومفيش حد يمدلك إيده. فقررت من يوم ما قدرت، إنني أساعد كل من أقدر أساعده، بشرط إن يكون محتاج فعلاً. وأنا مؤمن إن الحق لازم يظهر في النهاية، والظلم عمره ما يدوم.
ثم الټفت إلى محمود، وقال له بنبرة حازمة وجادة اللي عملته ده