بعتت رسالة بالغلط
بقيت ممسكة بمقبض الباب بقوة، وأصابعها ازدادت بياضاً من شدة الضغط. لم تكن تتوقع أبداً أن تراه في هذا المكان، وفي هذا الوقت، وبصحبة رجل أعمال كبير مثل عمر المنصوري. تساءلت في داخلها، والخۏف يتسلل إلى قلبها هل جاء لېؤذيها أكثر؟ هل جاء ليكمل ما بدأه ويجعل حياتها أكثر صعوبة؟ أم أن هناك شيئاً آخر لا تعرفه؟
لاحظ عمر المنصوري الارتباك الشديد الذي ظهر على وجهها، وارتجاف جسدها الخفيف، فبادر بالكلام بصوت هادئ ومطمئن، يحاول أن يزيل عنها التوتر أنا جبت الأستاذ محمود معايا لسبب مهم جداً، وهتفهميه دلوقتي، بس مټخافيش أبداً. محدش جاي هنا عشان يأذيكِ، ولا عشان يضايقكِ. ممكن تسمحي لنا بالدخول؟ الجو برة بارد جداً، وصوت بنتك وهي بټعيط واصل لحد هنا، وأكيد محتاجة تهدأ.
ترددت سارة للحظات طويلة، نظرت مرة أخرى إلى محمود الذي كان واقفاً بصمت، ولم يرفع عينيه لينظر إليها، وهو أمر غريب جداً عليه، فهو دائماً كان ينظر بثقة وغرور. ثم نظرت إلى الأكياس الكثيرة التي كان يحملها عمر، وتذكرت بنتها ملك التي ما زالت تبكي في الداخل، فتنهدت بعمق، وفتحت الباب على وسعه، وسمحت لهما بالدخول بتردد واضح يظهر في كل حركة منها.
دخل الرجلان إلى الشقة الصغيرة، التي لم تكن تتسع لأكثر من بضعة أمتار مربعة. الجدران كانت قديمة، والدهان بدأ يتقشر في بعض الأماكن، والأثاث بسيط جداً وقديم، لكنه كان نظيفاً ومرتباً بعناية فائقة، وكأن سارة حاولت أن تجعل من هذا المكان الصغير ملاذاً آمناً لها ولابنتها. وضعت سارة بعض الوسائد على الأرض ليجلسا عليها، لأن الكنبة الوحيدة كانت صغيرة جداً، وقفت هي في زاوية الغرفة، وعيناها تتنقلان بينهما، وهي تنتظر أن يبدأ أحدهما الكلام.
وضع عمر الأكياس بعناية على الطاولة الصغيرة، وقال وهو يشير إليها لما وصلتني رسالتك بالخطأ، وعرفت ظروفك، قررت أجيب معايا كل ما ممكن تحتاجيه. ده لبن الأطفال النوع اللي مكتوب في الرسالة، واشتريت منه أربع علب عشان يكفيكِ فترة طويلة، وده حفاضات، ومناديل، وأدوات نظافة للطفلة، وكمان أكل جاهز وخضار وفاكهة ليكِ، لأنك أكيد مش بتأكلي كويس في الفترة الأخيرة. والمبلغ اللي طلبتيه، ألف جنيه، موجود هنا، وزدت عليه مبلغ إضافي، ومش محتاجة ترديه أبداً، ولا تقلقي منه.
نظرت سارة إلى الأكياس، ثم إلى المبلغ الموضوع على الطاولة، وشعرت بغصة في حلقها، وقالت بصوت متقطع بالكاد يسمع شكراً جداً يا أستاذ عمر بجد مش عارفة أشكرك إزاي بس بس ليه هو جاي معاكم؟ وأشارت بإصبعها المرتعش ناحية محمود، الذي بقي صامتاً حتى الآن، وعيناه مثبتتان على الأرض، وكأنه يخشى أن ينظر إليها.
قبل أن يرد عمر، تكلم محمود بصوت منخفض، هادئ، ومليء بالندم، صوت لم تسمعه سارة منه من قبل، فقد اعتادت أن يكون صوته عالياً ومتسلطاً أنا جاي هنا يا سارة عشان أعترف. جاي عشان أقول الحقيقة كاملة قدام الأستاذ عمر، وقدامك، وبدون أي تزوير أو خداع.
نظرت إليه سارة بدهشة كبيرة، وقالت بحدة ظهرت في صوتها رغم محاولتها التحكم فيه تعترف بإيه؟ مش انت اللي وقفت قدام الناس كلهم وقلت إنك اكتشفت تلاعب كبير في الحسابات، وإنني أنا المسؤولة الوحيدة، وفصلتني من غير أي تحقيق حقيقي؟ وخلّيت الناس كلهم يعتقدوا إنني سړقت أموال الشركة؟ وخلّيت سمعتي ټنهار، ومش قادرة ألاقي أي شغل في أي مكان تاني؟
رفع محمود رأسه ببطء، ونظر إليها، وكانت