ابويا بوظ فستان فرحي

موقع أيام نيوز

 

لكن ده كله كان مجرد البداية.

لأن بعد ما خطيت خطوتين أو تلاتة جوا الكنيسة، سمعت صوت خطوات تانية قوية ورايا. وقفت ولفيت شوية، وشفت الراجل اللي اتفقت معاه يجي معايا. راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية نظيفة، وشكله وقور، وفي إيده ملف جلدي قديم جداً، لونه بقي بيج باهت مع مرور السنين، وحوافه متآكلة من كتر ما اتلف واتحفظ عليه سنين طويلة.

دخل الراجل وسكت المكان أكتر. كل المعازيم بدأوا يبصوا لبعض، ويسألوا في سرهم مين ده؟ وإيه اللي جابه يوم الفرح ده؟ وإيه الملف الغريب اللي في إيده؟

مشى الراجل بثبات، وكل خطوة كان بيخطيها كانت بتوصل صداها لكل ركن في الكنيسة. وصل لحد الصف الأول، ووقف مباشرة قدام أبويا. بص له أبويا بنظرة ڠضب واستغراب، ولسانه بدأ يرتجف قبل ما يتكلم، وكأنه عرف الشخص ده من أول نظرة.

قال الراجل بصوت واضح وعالٍ، وصل لآخر شخص في الكنيسة
إزيك يا أستاذ محمود؟ زمان طويل ما شفناش وش بعض. أكيد نسيتني، ولا يمكن ما نسيتش أبداً.

أبويا حاول يخلي صوته قوي، لكن طلع ضعيف ومتقطع
إنت إيه اللي جابك هنا؟ مين سمح لك تدخل؟ إيه الملف ده؟ أخرج بره فوراً، ده يوم فرح بنتي، مش مكان للناس الغرباء!

ضحك الراجل ضحكة باردة ما فيها أي مرح، وقال
غرباء؟ أنا مش غريب يا محمود. أنا الشخص اللي ضيعت عليه سنين عمره، وشوهت سمعته، وډمرت مستقبله عشان تخلص نفسك. واخترت أجي النهاردة بالذات، لأنك اخترت الليلة اللي فاتت عشان تدمر فرحة بنتك، فأنا جيت عشان أوري الناس كلها الحقيقة اللي خبيتها 22 سنة.

أنا كنت واقفة جنب كريم، اللي كان واقف قريب من المذبح، وبصيت له ولقيت نظرة دعم وثقة في عينيه. كنت حكيتله شوية عن طبيعة أهلي، وكيف إن أبويا كان دايماً بيعاملني معاملة مختلفة، ويفضل أخويا على أي حاجة، بس ما كنتش حكيتله عن الشكوك اللي كانت بتراودني، ولا عن السر اللي بدأت أتأكد منه مؤخراً.
ليلة الدمار

رجعت بذاكرتي لورا لليلة اللي قبل الفرح، لما كنت نايمة صحيت على صوت خفيف بيقطع سكون الليل. كان صوت دولابي الحديدي الكبير وهو بيتفتح ببطء. فتحت عيني بقلق، وقلت في نفسي يمكن تكون أمي جاية تاخد حاجة، لكن لما مديت إيدي وشغلت نور الأوضة، اټصدمت بالمنظر اللي قدامي.

أبويا واقف في نص الأوضة، وشه مكشر وعابس، وفي إيده مقص حديدي كبير قوي، وفي الأرض الفستان الأبيض اللي اشتريته بعد مشاوير كتير واختيار طويل، متقطع لقطع صغيرة، والقماش الستان الناعم متناثر في كل مكان على السجادة. وراه أمي واقفة على عتبة الباب، وشها باهت زي الحائط، وعينيها مثبتة على الأرض، مش بتتكلم ولا بتحرك ساكن، وكأنها مجرد متفرجة مش أم. وأخويا الصغير، أحمد، واقف جنبها وبيضحك ضحكة سخرية وشماتة، وكأنه بيتفرج على مشهد كوميدي في فيلم.

بصلي أبويا بكل برود وعدم اهتمام، وكأن اللي عمله ده شيء عادي ومستحق، وقال بصوت بارد
من غير فستان مفيش فرح.

كنت قاعدة على السرير، وقلبي كان بيدق بسرعة، لكن الغريب إني ما حستش برغبة في العياط، ولا في الصړاخ، ولا حتى في الخناق. كل اللي حسيته كان ڠضب هادئ، وثقة في نفسي، وعرفت إنهم فاهمين غلط. هم فكروا إن الفستان هو اللي بيعمل الفرح، وإنهم لو قطعوه هيدمروا كل حاجة. لكنهم ما عرفوش إن الفرح ده جوايا، وإن
 

تم نسخ الرابط