حماتي مدت ايدها عليا
عينه ناحيتي.
وقال
مروة أنا غلطت.
بصيت له.
وسكت.
فكمل
أنا معترف إني غلطت.
أول مرة أسمعه يقولها.
أول مرة من سنين.
لكن الغريب
إني ما حسيتش بأي انتصار.
ولا حتى راحة.
حسيت إن الكلام جه متأخر أوي.
متأخر بعد ما كل حاجة ماټت.
أمي سألته
غلطت في إيه؟
سكت.
واضح إنه ما كانش متوقع السؤال.
قال
غلطت إني ما وقفتش بينكم.
أمي هزت راسها.
لأ.
مش دي الغلطة الوحيدة.
وشاورِت عليا.
الغلطة إنك سيبت مراتك تحس إنها لوحدها.
الغلط إنك كنت شايف وبتسكت.
الغلط إنك كنت كل مرة تختار راحة دماغك بدل الحق.
محمود نزل بعينه للأرض.
وأنا افتكرت حاجات كتير.
افتكرت أول سنة جواز.
كنت وقتها لسه فرحانة.
لسه بصدق إن الحب كفاية.
حماتي كانت بتدخل البيت من غير استئذان.
وتغير أماكن الحاجات.
وتفتح الدولاب.
وتراجع الأكل.
وأقول لمحمود.
فيضحك.
دي أمي.
ولما كانت تتدخل في كل قرار.
يقول
سيبيها.
ولما كانت تكلمني بأسلوب وحش.
يقول
ما تقصديش.
ولما كانت تغلط.
يقول
كبري دماغك.
كل مشكلة صغيرة كان بيعتبرها تافهة.
لحد ما المشاكل الصغيرة بقت جبل.
وجبل فوق جبل.
لحد ما انهار الجواز كله.
واحدة من قريباته سألت فجأة
طيب لو محمود اعتذر ممكن ترجعي؟
كل الناس بصتلي.
حتى أمي.
حتى محمود.
كأنهم مستنين إجابة.
كأن مستقبل القعدة كلها واقف على الكلمة دي.
خدت نفس طويل.
وبصيت لمحمود.
وقلت
سؤال مهم.
عيونه لمعت.
كأنه افتكر إن فيه أمل.
فقلت
لو رجعنا إيه اللي اتغير؟
سكت.
قلت
حماتك اعتذرت؟
ما ردش.
اعترفت إنها غلطت؟
برضه ما ردش.
وعدت إنها ما تتدخلش؟
الصمت.
يبقى إيه اللي اتغير؟
الوجوه حوالينا بدأت تستوعب.
الموضوع مش كلمة آسف وخلاص.
الموضوع منظومة كاملة كانت غلط.
واحد من كبار العيلة بص ناحية حماتي وقال
يا حاجة أم محمود قولي كلمة حق.
الست اتعصبت فورًا.
وقالت
أنا مش هعتذر لحد.
أنا أكبر منها.
وأمه.
وليا حق على ابني.
أهو ده.
أهو نفس السبب اللي خلاني أعرف إن مفيش حاجة اتغيرت.
حماتي لسه شايفة نفسها صح.
لسه شايفة إن الضړب عادي.
وإن الإهانة عادي.
وإن الاعتذار مستحيل.
وأول ما قالت الجملة دي
حسيت بشيء جوايا ارتاح.
ارتاح لأن القرار بقى واضح.
نهائي.
من غير تردد.
محمود بص لأمه.
وبعدين بص لي.
واضح إنه أخيرًا فاهم.
فاهم إن المشكلة عمرها ما كانت خناقة واحدة.
ولا موقف واحد.
المشكلة كانت سنين كاملة.
سنين من السكوت.
وسنين من التنازلات.
وسنين من إني كنت آخر شخص بيتفكر.
أمي قامت من مكانها.
وقالت
إحنا خلصنا.
وقفت أنا كمان.
لكن محمود وقف بسرعة.
وقال
استني.
لفيت ناحيته.
ولأول مرة شفته بيعيط.
مش دموع كتير.
لكن كانت واضحة.
قال
أنا بحبك.
ابتسمت بحزن.
لأن دي كانت الجملة اللي زمان كنت مستعدة أعمل أي حاجة علشان أسمعها.
أما دلوقتي
بقت مجرد ذكرى.
قلت بهدوء
الحب مش كفاية يا محمود.
الحب لازم يبقى معاه احترام.
وأمان.
ومساندة.
وأنت سبت كل ده يقع من إيدك.
وسبتني أقع معاه.
خرجنا من البيت.
وأول ما نزلنا الشارع
الهوا كان بارد.
وأمي ماسكة دراعي.
قالت
زعلانة؟
فكرت شوية.
وبعدين قلت
على فكرة لأ.
ابتسمت.
وقالت
عارفة.
عدت شهور.
وبعدين سنة كاملة.
رجعت أشتغل.
رجعت أضحك.
رجعت أزور صحابي.
رجعت أعرف نفسي من جديد.
واكتشفت إن فيه حياة بعد الطلاق.
حياة أهدى.
وأكرم.
وأريح.
وفي يوم
وأنا خارجة من شغلي.
شفت محمود بالصدفة.
كان واقف قدام محل قهوة.
وشعره بدأ يشيب شوية.
ولما شافني
ابتسم.
ابتسامة هادية.
مش فيها أمل.
ولا طلب.
ولا ضغط.
مجرد سلام.
قرب وقال
عاملة إيه؟
قلت
الحمد لله.
هز راسه.
وقال
مبسوط إنك بخير.
ابتسمت.
وأنا كمان.
سكت ثانية.
وبعدين قال
تعرفي؟
أنتِ كنتِ صح.
استغربت.
فكمل
يومها لما سألتي إيه اللي اتغير ما كانش فيه حاجة اتغيرت فعلًا.
هزيت راسي.
وقلت
دلوقتي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال
دلوقتي اتعلمت.
بس بعد ما خسړت.
كان
فيه ۏجع في صوته.
لكن ما كانش ۏجع يخليني أرجع.
كان مجرد درس اتأخر.
مد إيده يصافحني.
صافحته.
وقال
ربنا يسعدك يا مروة.
قلت
وإياك.
ومشيت.
المرة دي فعلًا من غير ما أبص ورايا.
لأن بعض القصص نهايتها مش الرجوع.
نهايتها إن الإنسان يعرف قيمته.
ويختار نفسه.
لأول مرة
تمت