بعد ٣ شهور من طلاقنا
مشتركة.
مرة يطلب أن يراها.
ومرة يطلب فقط صورة ليوسف.
ومرة يطلب أن يساهم في مصاريفه.
لكنها كانت ترفض في كل مرة.
لم تكن تريد منه مالًا.
ولا اعتذارًا.
ولا حتى دموعًا.
كانت ترى أن بعض الچروح لا يمحوها الندم.
وفي إحدى الليالي، وبينما كانت ترتب حقيبة يوسف المدرسية، رن هاتفها.
كان الرقم غريبًا.
ترددت قليلًا ثم أجابت.
جاءها صوت رجل مسن
السلام عليكم أنا والد عمر.
سكتت للحظة.
لم تسمع صوته منذ سنوات.
قال الرجل بصوت متعب
أعرف أن ابني أخطأ بحقك خطأً كبيرًا وأعرف أن أي كلام لن يغير الماضي.
ثم أضاف
لكنني مريض يا ابنتي والأطباء يقولون إن أيامي أصبحت قليلة.
شعرت فريدة بانقباض في قلبها.
وأكمل الرجل
لا أطلب منك أن تسامحي عمر هذا حقك وحدك. لكن أرجوكِ دعيني أرى حفيدي مرة واحدة قبل أن أموت.
أغلقت الهاتف بعد المكالمة وهي في حيرة.
طوال الليل لم تنم.
كانت تتذكر الإهانة.
والبكاء.
والوحدة.
لكنها كانت تتذكر أيضًا أن يوسف لا ذنب له في شيء.
وبعد أيام طويلة من التفكير
وافقت.
في عصر يوم الجمعة، دخلت إلى بيت عائلة عمر للمرة الأولى منذ ست سنوات.
كان البيت هادئًا بشكل غريب.
وحين دخل يوسف، ركض في الصالة ببراءته المعتادة.
أما الجد، فبمجرد أن رآه
بكى.
بكى كما لم يبكِ رجل كبير من قبل.
ضم يوسف إلى صدره وهو يرتجف.
وقال
سبحان من أعاد إليّ روحي قبل رحيلي.
وكان عمر واقفًا بعيدًا في زاوية الغرفة.
لم يقترب.
لم يتكلم.
كأنه فهم أخيرًا أنه فقد حق المطالبة.
وأن وجوده هناك نعمة لا يستحقها.
مرّت الزيارة بهدوء.
وقبل أن تغادر فريدة، استدعاها والد عمر إلى غرفته.
فتح درجًا صغيرًا وأخرج ظرفًا قديمًا.
وقال
هذا يجب أن يكون عندك.
فتحت الظرف باستغراب.
فوجدت بداخله نسخة من تقرير طبي قديم.
تاريخ التقرير كان قبل زواجها بأشهر.
وتحت اسم عمر كانت هناك عبارة واضحة
احتمال الإنجاب ضعيف جدًا، لكنه ليس مستحيلًا.
تجمدت.
وأخذت تقرؤها مرة ثانية.
وثالثة.
ورابعة.
رفع الرجل رأسه وقال بحزن
عمر لم يكن عقيمًا كما أخبرك.
كان فقط
يعاني من ضعف شديد في الخصوبة.
لكنه عندما قرأ التقرير، لم يفهمه جيدًا، ثم أقنع نفسه أنه مستحيل أن ينجب.
وأطرق الرجل رأسه قبل أن يضيف
وعندما أخبرته يوم حملك أنه ربما أخطأ، رفض أن يسمع أحدًا.
خرجت فريدة من البيت وهي تحمل الظرف بين يديها.
لم تشعر بالانتصار.
بل بشيء يشبه الأسى.
كل هذا الخړاب
كل هذه السنوات
كل تلك القسۏة
بسبب غرور رجل خاف من الحقيقة أكثر مما خاف من خسارة عائلته.
وبعد شهرين فقط
ټوفي والد عمر.
وفي الچنازة، وقف يوسف بجوار أمه وسألها
ماما ليه الناس كلها زعلانة؟
مسحت على شعره وقالت
لأن رجلاً طيبًا رحل يا حبيبي.
ثم نظر يوسف إلى عمر الواقف بعيدًا وحيدًا، وقال
والعمو ده بيعيط ليه؟
سكتت فريدة طويلًا.
ثم أجابت بهدوء
بعض الناس يا يوسف لا يبكون عندما يخطئون.
يبكون عندما يكتشفون أن الوقت انتهى قبل أن يصلحوا خطأهم.
رفع يوسف رأسه الصغير كأنه لم يفهم المعنى كاملًا.
أما عمر
فقد سمع الجملة.
وانخفض رأسه أكثر.
لأنه أدرك أخيرًا أن أكبر عقۏبة لم تكن أن يخسر فريدة.
ولا أن يحرم من ابنه ست سنوات.
بل
أن يعيش بقية عمره وهو يعرف أن كل ذلك حدث بسبب كلمة قالها في لحظة قسۏة ولم يستطع سحبها أبدًا.
النهاية.