ابن سلفتي ٢ حكايات زهرة حصري
أنتي مش أرض بور يا عليه، إنتي أرضك خضرا وطيّبة بتثمر خير وحنية على الكل، وسامحيني على كل كلمة تقيلة قلتها لك!"
الحاجة أم جوزي ابتسمت بدموع وقالت: "العفو عند المقدرة يا بنتي.. وربنا ما بيضيعش أجر المحسنين، والبيت ده مش هيقوّم على الغل، هيقوم على المحبة والصفاء."
مرت الأيام، والعلاقة بيني وبين رحمة اتغيرت تماماً. بقت هي اللي بتخدمني، وتجري تحت رجلي، وتبصلي بنظرة إجلال واحترام ما شفتهاش من حد قبل كده. بقت تعمل الأكل وتجيبهولي لحد شقتي، وتقولي: "إنتي ارتاحي يا عليه وأنا هعمل كل شغل البيت." ابنها الصغير بقى مقضي معظم وقته في شقتي، يلعب في حضڼي ويقولي "يا طنط عليه"، وأنا بقيت أعتبره زي ابني تماماً، أطعمه وألبسه وأخاف عليه أكتر من نفسي.
وبعد مرور ست شهور كاملة على الواقعه دي.. حصلت المعجزة اللي محدش كان يتوقعها ولا تخطر على بال بشړ!
كنت حاسة بتعب غريب ودوخة بقالها كام يوم، ورغبة شديدة في النوم، مع غثيان كل ما أشم ريحة الأكل. الحاجة بصتلي بذكاها وشكت، وأصرت إني أروح للدكتورة في البندر. أخدتني رحمة معايا وكانت ماسكة إيدي طول الطريق وبتدعيلي بقلب صادق وتطمنّي.
دخلنا للدكتورة، وبعد الفحص والكشف والأشعة، الدكتورة بصتلي بابتسامة عريضة وقالت: "مبروك يا مدام عليه.. إنتي حامل في الشهر التاني، والجنين صحته ممتازة!"
أنا سكتت.. الصدمة كانت أكبر من إني أستوعبها. الدموع جمدت في عيني وبصيت للدكتورة وأنا مش مصدقة وبترعش: "حامل؟! إزاي؟ أنا بقالي سنين والدكاترة قالوا مفيش أمل والرحم ضعيف!"
الدكتورة قالت بابتسامة حنونة: "إرادة ربنا فوق كل كلام الأطباء وتوقعاتهم.. ربنا لما يقول للشيء كن فيكون، والرحم اللي كان مقفول اتفتح بفضل ربنا."
رحمة حضنتني بقوة وفضلت تصرخ من الفرحة وتبكي وتكبر في العيادة بصوت زلزل المكان، وقالتلي وهي بتبوس رأسي وإيدي: "ربنا استجاب لدعائي لك يا عليه! والله كنت بدعيلك في كل صلاة وفي قيام الليل! ربنا ما حرمكيش عشان قلبك الطيب اللي نجى ابني من الڼار.. ده عوض ربنا ليكي الكبير!"
رجعت البيت والخبر نزل على البيت كله زي الفرح الكبير اللي مالوش مثيل. الحاجة دُبحت ذبيحتين ووزعت على الفقرا والمحتاجين في القرية كلها، وجوزي لما عرف مسكني وفضل يبكي زي الطفل الصغير، كان طاير بيا في السما ومش مصدق عينيه ولا ودانه إن حلمه اللي اتأخر سنين بيتحقق.
في اليوم ده، بعد ما الزيطة هديت والناس مشيت، وقفت في الحوش بالليل.. بصيت للفرن الطين الكبير اللي كان شغال بالنهار.. وافتكرت اللحظة اللي كنت هسيب فيها الشيطان يسيطر عليّ والغل ياكل قلبي.
حمدت ربنا ألف مرة وبكيت من خشية الله إني اخترت الرحمة، وإني ما خليتش الغل يطفي النور اللي جوة قلبي.
عرفت إن الأرض الطيبة عمرها ما بتكون بور.. ممكن تتأخر في المطر والزرع، بس لما ربنا بيأذن، بتثمر أحلى وأجمل ثمر، وإن الخير اللي بتزرعه في قلوب الناس، حتى لو كانوا أساؤوا لك في يوم من الأيام، بيرجعلك أضعاف أضعاف في الوقت اللي ربنا يحدده بعظمته. ومن يومها والبيت كله عايش في حب وسلام ونعمة، ورحمة بقت أقرب من أختي، وابني جه على الدنيا ينور حياتنا ويشهد إن رحمة ربنا ملهاش حدود وإن الطيب دايماً غالب.