الأطفال المبسترين

موقع أيام نيوز

لم يكن لديهم أحد. نظر محمد إلى صورة وائل الكبيرة المعلقة خلف المسرح، ثم قال بصوت اختلط بالتصفيق في ناس بټموت وتنتهي قصتها. وفي ناس بټموت وتبدأ قصتها بعد الرحيل. وعم وائل كان من النوع التاني. وانتهى الحفل، لكن الحكاية لم تنتهِ. لأن كل طفل كان يخرج من الحضانة سالمًا، كان يحمل معه، دون أن يدري، جزءًا صغيرًا من إرث رجل آمن أن الرحمة قد تكون أعظم أثر يتركه الإنسان بعد رحيله. بعد الحفل بأيام، تلقى الدكتور محمد اتصالًا من إدارة المستشفى القديم. قال له المدير محتاجينك تيجي في حاجة لازم تشوفها بنفسك. لما وصل، أخدوه إلى مخزن قديم كان مقفول من سنين. أثناء أعمال التجديد، العمال لقوا صندوقًا معدنيًا صغيرًا باسم وائل حمدي. كان الصندوق مقفول بقفل صدئ، ومعاه ورقة مكتوب عليها يُفتح بعد رحيلي. فتح محمد الصندوق وهو يشعر أن قلبه بيدق بسرعة. كان بداخله ساعة يد قديمة، وصورة لأخ وائل آدم، ودفتر مذكرات صغير. فتح أول صفحة. وكان أول سطر مكتوب فيها لو حد لقى الدفتر ده يبقى ربنا استجاب لدعائي. بدأ يقلب الصفحات. كان وائل يكتب بعد كل زيارة للحضانة. ليس عن نفسه بل عن الأطفال. الطفل رقم 12 ابتسم النهارده لأول مرة. الطفلة مريم خرجت مع أمها بعد 43 يومًا. الطفل كريم مسك صباعي بإيده الصغيرة وافتكرت آدم. ثم وصل إلى آخر صفحة. وكانت مختلفة عن كل الصفحات. مكتوب فيها أنا مش خاېف أموت. أنا خاېف بس ييجي يوم ميبقاش فيه حد يقعد جنب الأطفال اللي مالهمش حد. توقف محمد عن القراءة. ثم ابتسم وهو ينظر من نافذة المكتب. في الخارج كان يرى عشرات المتطوعين الجدد يدخلون الحضانة، يحمل كل واحد منهم بطاقة كتب عليها أنا جنبك. الجملة نفسها التي بدأ بها وائل قصته قبل عشرات السنين. أغلق محمد الدفتر برفق، وهمس لا تقلق يا عم وائل النهارده بقى فيه ألف حد يقولها بعدك. وفي تلك اللحظة، شعر أن إرث وائل لم يعد ملكًا لشخص واحد بل أصبح رسالة يعيش بها كل من يختار أن يكون رحيمًا مع إنسان لا يعرفه. وهكذا بقيت الحكاية تُروى، ليس لأنها عن رجلٍ مليء بالوشوم بل لأنها عن قلبٍ امتلأ بالرحمة حتى آخر نبضة. بعد عام واحد كانت المستشفى تحتفل بمرور خمسين عامًا على افتتاح حضّانة الأطفال المبتسرين. وأثناء تجهيز معرض الصور، دخلت سيدة مسنة تستند إلى عصا، وبيدها ظرف أصفر قديم. وقفت أمام صورة وائل طويلًا، ثم بدأت تبكي. اقترب منها الدكتور محمد وسألها برفق حضرتك تعرفيه؟ هزّت رأسها وقالت أعرفه ويمكن أكون أكتر واحدة ظلمته. ساد الصمت. ثم قالت أنا والدته. تجمّد محمد في مكانه. كانت أول مرة يسمع فيها عن أم وائل. جلست السيدة على المقعد، وأخرجت صورة قديمة لطفلين. واحد منهم كان وائل وهو في الثانية عشرة، والثاني طفل رضيع يبتسم آدم. قالت وهي تمسح دموعها بعد ۏفاة آدم وائل اتغيّر تمامًا. بطل يضحك، وبطل يلعب، وكل يوم كان يلوم نفسه ويقول لو كنت دخلتله بدري، كان عاش. تنهدت بحزن. فضلت سنين أحاول أقنعه إنه ملوش ذنب لكنه عمره ما صدق. ثم أخرجت رسالة مطوية بعناية. كتبها قبل ما ېموت بشهر، وقال لي متفتحيهاش إلا لما تحسي إن رسالتي وصلت. ناولتها لمحمد. فتحها ببطء. وكان مكتوب فيها يا أمي لو في يوم سامحتِ
نفسك على اللي
حصل لآدم، سامحيني أنا كمان. أنا عارف إنك كنتي مکسورة زينا كلنا. أنا خلاص مبقتش شايل ۏجع. لأن ربنا رزقني بمئات الإخوات الصغيرين. كل طفل خرج من الحضانة وهو سليم كان كأنه آدم بيرجع يبتسم لي من جديد. لم تستطع الأم أن تكمل القراءة. أجهشت بالبكاء. اقترب منها محمد، وأمسك يدها، وقال حضرتك خسرتِ ابنين لكن صدقيني ابنك الكبير أنقذ آلاف الأطفال. رفعت رأسها إلى صورة وائل المعلقة على الحائط. ولأول مرة منذ أكثر من أربعين سنة

 

تم نسخ الرابط