درس اخي ١ حكايات زهرة
من الطيبين، يمكن بيتهيأله ولا حاجة.
بس أنا كنت أفضل متضايق، . أخويا اللي بحبه مش مرتاح في بيتي، حاسس إنه مخڼوق عندي، ودي كانت اكتر حاجه بتضايقني.
لحد ما في يوم كنت عازم أمي ونصر على الغدا، وقايل لمراتي اعملي كل ما لذ وطاب. عملت صينية بطاطس باللحمة، وشوربة، ورز بشعرية يفتح النفس، وأول ما حطت الأكل على الترابيزة والريحة طالعة تغوي النايم... نصر بص للأكل، وراح زاق الطبق بإيده، ووقف فجأة وهو شايط!
يلا نمشي يا أمه! الأكل ريحته وحشة أوي! يلا نمشي!
مراتي اتسمرت مكانها من الكسوف، ووشها احمر ودارت دمعتها بالعافية. وأنا... أنا الډم غلى في عروقي ة خلاص طفح بيا الكيل. وقفت وزعقت فيه بصوت عالي لأول مرة في حياتي
نصر! أنت زودتها أوي! كفاية بقى! اقعد كُل، الأكل نضيف وما فيهوش أي حاجة! حرام عليك اللي بتعمله فينا ده!
نصر بص لي بنظرة عمري ما هنساها... نظرة طفل مظلوم بيضرب وهو مش فاهم هو اضرب ليه. عينيه اتملت دموع، وبدأ يبكي بصوت طالع بالعافية، ومسك في إيد أمي وهو بيرتعش ويقول لها باڼهيار نمشي يا أمه... نمشي... نمشي!
أمي بصت لي بعتاب ، وقامت وهي بتطبطب عليه وقالت لي حقك عليا يا نعيم، أخوك ما يقصدش... وأخدته من إيده ومشيت.
أول ما باب الشقة اتقفل، أنا حسيت بقلبي اتعصر. صمت رهيب نزل على البيت. مراتي وافقة پتبكي في الصالة، وأنا واقف مكاني حاسس إني أحقر بني آدم على وجه الأرض. أزاي أزعق لنصر؟ إزاي أكسر بخاطره وانا عارف ظروفه؟
ما استحملتش. نزلت أجري على السلم وراهم ألحقهم قبل ما يركبوا الميكروباص. لقتهم وافقين على أول الشارع، نصر مستخبي في ضهر أمي وبيمسح دموعه بياقة قميصه.
قربت منه وأنا كلي ندم، ومسكت إيده الباردة وقلت له ونفسي مقطوع
يا حبيبي أنا أسف... معلش يا نصر، حقك عليا يا أخويا، ما تزعلش مني يا طيب.
نصر بص لي... بياض عينيه كان محمر من البكا، ودموعه نازلة على خدوده. مسح بإيده، وبعدين قرب مني أوي، وميل على ودني علشان محدش يسمع اللي هيقوله
واللي قاله وقتها خلاني اتجمد مكاني من الصدمه واالذهول كلام ميتخيلهوش عقل !!!!!
ميل عليّ نصر، وحط إيده الصغيرة الباردة على كتفي، وصوته كان بيرعش بس فيه نبرة غريبة، كأنه مش طفل، كأنه حكيم طالع صوته من بئر بعيد مالوش نهاية. قرب شفايفه من ودني وقال لي كلام نزل عليا زي الصاعقة، جمد الډم في عروقي وشل تفكيري في ثانية
الريحة مش في السجاد يا نعيم... الريحة طالعة من قرشك! الفلوس اللي بتجيب بيها الأكل الشبعان ده... ريحتها عفشة أوي يا أخويا، خنقاني ومش قادر أتنفسها! نظف قرشك يا نعيم... نظف بيتك!
الشارع كله اختفى من
قدام عيني. دوشة الميكروباصات، وصوت البياعين، والناس اللي ماشية تزق في بعضها... كل ده اتكتم مرة واحدة وكأني اتزرعت في مشهد من فيلم صامت. إيدي اللي كانت ماسكة إيد نصر اترخت وسقطت جنب مني زي المېتة. بصيت في عينيه... العينين الصافية البريئة اللي عمري ما شفت فيها خبث ولا لؤم، كانت بتطالعني بنظرة شفقة ورحمة موجعة، نظرة كأنها بتقول لي أنا شايف اللي أنت مخبيه عن العالم كله.
أمي بصت لي باستغراب شديد وهي بتطبطب على كتف نصر وقالت فيه إيه يا نعيم؟ مالك اتسمرت مكانك كده ليه يا بني؟ نصر قال لك إيه خلّاك اټخضيت وشك جاب ألوان كده؟
ما قدرتش أنطق. لساني اتعقد في بقي، وريقي نشف تماماً. نصر مسك إيد أمي وشدها بالراحة وهو بيبتص لي بابتسامة حزينة وقال لها يلا يا أمه... نمشي خلاص، نعيم فهم.