صړخة أمل
الأسواق؛ اشترى سيارة نقل صغيرة مستعملة تتسع للجميع، واشترى خمسة كراسي أطفال مخصصة للسيارات لضمان سلامتهم. ثم عاد إلى الورشة، وقضى أربعة أيام بلياليها دون أن ينام إلا ساعات قليلة؛ هدم الجدران الفاصلة بين الورشة والمجلس القديم، حوّل المكان إلى غرفة نوم واسعة، دهن الجدران بألوان مبهجة، وركب سراير دورين جديدة وآمنة، ملأ المكان بالألعاب، ووفر كل ما يلزم لرضيعة من حليب ومستلزمات.
ولم يكتفِ بذلك، بل صرف ما تبقى من مدخراته بالكامل لتوكيل محامي أسرة شهير ومخضرم، يخشاه الجميع في قضايا الحضانة والرعاية. وعندما سأله المحامي في أول لقاء هل أنت متأكد يا خالد؟ أنت تضحي بكل ما تملك، بحريتك، بشبابك، وبمالك من أجل أطفال لا تربطك بهم أي صلة قرابة!، رد عليه خالد بنبرة هزت أركان المكتب إذا لم أنقذهم من التفريق، فلن تكون لحياتي أي قيمة بعد اليوم. أفعل ما يلزم لنقف أمام القاضي قبل صدور قرار التوزيع النهائي.
وجاء يوم الجلسة الحاسمة. كانت قاعة المحكمة مزدحمة ومخيفة. جلس الأطفال الخمسة على مقعد خشبي عريض خارج القاعة، وكان المشهد مفجعاً؛ الطفل الأكبر يتشبث بأيدي إخوته بكل قوته، ينظر إلى الموظفين بړعب، كأنه يعلم أن هذه الدقائق هي الأخيرة لهم معاً. وحين دخل خالد القاعة، كان محامي الدولة بالمرصاد، مجهزاً دفاعاً نادراً لمنع هذه الكفالة.
بدأت الجلسة، وقف محامي الدولة وقال بصوت عالٍ أمام القاضي سيدي القاضي، نحن أمام حالة إندفاع طفولية وساذجة. هذا الشاب أعزب، يبلغ من العمر 29 عاماً فقط، يعمل في ورشة صيانة، لا يملك الخبرة، ولا يملك المال الكافي، ولا يملك عائلة تساعده. كيف نسلمه خمسة أطفال صغار؟ إنه لا يفهم معنى المسؤولية، وسيستيقظ بعد شهر ليكتشف أنه تورط في كابوس، وسيعيدهم إلينا وهو محطم. هذا القرار خطړ على مستقبله وعلى مستقبل الأطفال. التوزيع على البيوت والأسر البديلة هو القرار العقلاني الوحيد.
كان خالد يقف في مكان المتهم، ورأسه منكس إلى الأسفل. كان يشعر بالخۏف والشك يتسللان إلى قلبه؛ هل بالفعل هو غير مؤهل؟ هل يظلمهم معه؟ لكنه عندما نظر من شباك القاعة الزجاجي ورأى الطفل الأكبر يقبل رأس أخته الرضيعة ويمسح دموعها، استعاد ثباته.
وفجأة، سكتت القاعة تماماً. رفع القاضي نظارته، ونظر إلى خالد لعدة ثمانٍ، ثم أزاح الأوراق من أمامه، وقال بنبرة هادئة ولكنها عميقة ونافذة يا خالد... أنفق الناس أموالهم للحصول على الرفاهية، وتضحيات البشر تكون دائماً لأسرتهم وأبنائهم. لكنك سحبت كل مدخرات حياتك، وغيرت بيتك، وتحديت النظام القانوني بأكمله... من أجل أطفال لم ترَهم في حياتك من قبل. الناس لا تضحي بكل هذا بدون سبب قاهر ينبع من الأعماق. قول الحقيقة يا بني... ليه راجل في سنك يضحي بحريته، وفلوسه، ومستقبله... علشان 5 أطفال عمره ما قابلهم؟
انخفص صوت المحامين، وعم السكون قاعة المحكمة حتى أصبحت دقات الساعة على الحائط مشمولة بالصمت. أخذ خالد نفساً طويلاً وموجعاً، كأنه يسترجع نفساً كان محبوساً في صدره منذ أربع وعشرين سنة. خطى خطوتين بطيئتين نحو الميكروفون، واهتزت يداه وهو يمسك بطرفه، رتب أفكاره، ثم بدأ يتحدث بصوت خافق، كاشفاً عن السر الذي دفنه في أعماق روحه ولم ينطق به لأي إنسان على وجه الأرض من قبل.
قال خالد وهو ينظر في عيني القاضي مباشرة والدموع تتجمع في عينيه سيدي القاضي... قبل خمس وعشرين سنة، كان هناك طفل في الرابعة من عمره، وكان لديه شقيق أكبر وشقيقة أصغر. ماټ والداهما في