رساله من مجهول ١ حكايات زهرة

موقع أيام نيوز


​لفيت وشي بالبطيء وركزت في عيونها.. صديقة عمري، الإنسانة اللي كنت بامن لوجودها في حياتي، بيننا بحر من الثقة العمياء.. معقول؟ معقول الوش الطيب ده وراه غل وتدبير للدرجة دي؟ معقول تكون متفقة مع جوزي عليا؟ عشان هي تاخد المكسب وتتعين مكاني وهو يخلص مني وينفرد بالشقة والفلوس؟ الأفكار كانت بتاكل في عقلي زي الڼار في القش، وحاسة بقلبي هيقف من كتر الدق.
​قطع سكاتي صوت طارق وهو بيتنهد بنفاذ صبر، وسحب إيدي بلهفة وشد الشنطة معايا:
"يلا يا ميرنا حطي الشنطة على سير التفتيش عشان نخلص.. إحنا اتأخرنا، والناس ورانا مستنية، نخلص إجراءات الجمارك ونطلع  نشوف الي ورانا ."
​في اللحظة دي، طارق كان بيزقني بالراحة ناحية أجهزة الفحص، وجسمي بدأ يستجيب ليه تلقائياً.. كنت على وشك إني أطرد الهواجس دي من دماغي، وأعتبر الرسالة مجرد لعبة خبيثة من حد مريض عاوز ېخرب بيتي.. كنت خلاص هغمض عيني وأمشي معاه وأحط الشنطة على السير عشان ننهي اليوم ده.
​لكن قبل ما أخطو الخطوة الأولى.. الموبايل في إيدي اهتز تاني بنفس النغمة المكتومة.
​رفعت الشاشة بعينين زايغة، وقريت الرسالة التانية من نفس الرقم المجهول:
[إوعي تسمعي كلامه مهما قالك! الشنطة دي لو دخلت التفتيش ھيتدمر مستقبلك للأبد!]
​الرسالة التانية كانت المسمار الأخير.. كلامها نزل عليا زي الصاعقة، كسر جدار التردد وجمد الډم في عروقي.
​وقفت في مكاني تماماً.. وما عملتش أي حاجة من اللي هما كانوا متوقعينها، ولا مشيت في السكة اللي اترسمتلي. في ثانية واحدة، وبحركة خاطفة وسريعة ما يتخيلوهاش أبداً، الټفت لطارق ولصديقتي.. واللي عملته خلاهم هما الاتنين يقفوا في وسط صالة الوصول مذهولين، وكأن اتكب عليهم جردل تلج!
فصلت إيدي من إيد طارق بمنتهى القوة والسرعة، وسحبت دراع الشنطة ناحيتي بغل.. عيونهم هما الاتنين اتوسعت من الصدمة، وطارق خطى خطوة ناحيتي وهو بيوشوشني بحدة مكتومة:
"في إيه يا ميرنا؟! اټجننتي؟ الناس بتتفرج علينا! هاتي الشنطة دي وحطيها على السير أخلصي!"
​ماردتش عليه كلمة واحدة.. ولا حتى بصيت في عين صاحبتي اللي كانت واقفة تبصلي بذهول وتمثيلية قلق متقنة جداً، وقالتلي بنبرة مکسورة: "ميرنا حبيبتي.. إنتي تعبانة من السفر؟ فيكي إيه يا بنتي؟"
​بدل ما أرد، لفت وشي ومشت بفرملة مفاجأة ناحية مكتب رئيس شفت أمن المطار والجمارك اللي كان واقف على بعد خطوات، بيتابع حركة المسافرين وبجنبه جنديين من الشرطة.. طارق جيري ورايا ومسك دراعي پغضب بيحاول يوقفني:
"يا بنتي استني هنا! إنتي رايحة فين بروح أمك؟! تعالي هنا!"
​صړخت فيه بصوت عالي خلا نص الصالة تتلفت لينا: "سيب إيدي!! أقسم بالله لو لمستني لتكون أخر لمسة ليك!"
​طريقة كلامي وصوتي اللي هز الصالة خلت ظابط المطار يلاحظ المشهد فوراً.. قرب بخطوات سريعة ورزينة، وملامحه شديدة وجادة، وبصلي بتركيز وهو بيسأل بنبرة حازمة:
"خير يا مدام؟ في إيه؟ في مشكلة هنا؟"
​كنت بتنفس بسرعة، قلبي كان هينط من بين أضلعي، بس جمدت نفسي، ووقفت بظهر مشدود قدام الظابط، وبصيت في عينيه بثبات وقلتله بصوت واثق رغم الرعشة اللي في إيدي:
"حضرتك يا فندم.. أنا الأستاذة ميرنا، خريجة حقوق والأولى على دفعتي ومتقيدة في النيابة الإدارية.. أنا بطالب حضرتك بصفة رسمية إنك تفتش الشنطة دي يدويًا وبشكل دقيق جداً، وتحرزها قدام عيني قبل ما تعدي على أجهزة الفحص!"
​الظابط حواجبة اترفت بذهول، وبص لطارق ولصاحبتي اللي وشوشهم أصفرت في ثانية كأنهم شافوا ملك المۏت.. طارق اتدخل بسرعة وضحكة صفرا على وشه، وحط إيده على كتف الظابط بيحاول يهدي الموقف:
"يا باشا معلش، المؤاخذة يعني.. مدامتي تعبانة شوية من رحلة العلاج في أوروبا وواخدة مهدئات ومأثرة على دماغها، اعذرها معلش.. يلا يا ميرنا تعالي معايا هاتي الشنطة..."
​"ما تلمسنيش!" صړخت فيها وأنا ببعده عني، وطلعت موبايلي وشاشته منورة على الرسالتين وحطيتها قدام وش الظابط مباشرة.
"يا فندم.. أنا جالي الرسالتين دول حالاً من رقم مجهول.. مضمون الرسائل بيقول إن الشنطة اللي في إيدي دي اتحط فيها ممنوعات من غير علمي، بهدف توريطي في قضية جنائية تُجهض تعييني في النيابة! وأنا بطالب بحقي القانوني في تقديم بلاغ رسمي فوراً، وتفتيش الشنطة هنا وفي حضورك وتحت الكاميرات!"
​هنا الموقف اتغير تماماً

 

تم نسخ الرابط