قصة بعد سنة كاملة من طلاقهم

موقع أيام نيوز

بعناية، وبنطالاً أنيقاً، ويده اليسرى تسند حقيبة حفاضات جلدية باهظة الثمن، بينما يده الأخرى تلمس بحركة استعراضية حافة عربية البيبي السوداء ذات العلامة التجارية الشهيرة. على وجهه كانت ترتسم تلك الابتسامة السمجة، ابتسامة الرجل الذي أمضي شهراً تلو الآخر يحدث نفسه بأنه الأذكى، وأنه استطاع الخروج من زواج فاشل بمكسب حياته، أو هكذا كان يصور لنفسه.
بجانبه مباشرة، كانت تقف سمر.
سمر التي كانت في يوم من الأيام، وقبل أن تتكشف خبايا النفوس، تفتح باب شقة كريمة وكريم وتدخل وهي تحمل صواني الحلويات، وتجلس على الأريكة، وتمسك كف كريمة البارد بين كفيها الدافئتين، قائلة بصوت تحشوه النبرة المزيفة من الحنان
يا حبيبتي يا كريمة... إنتي تستحقي أحسن راجل في الدنيا. ربنا يعوض صبرك خير. حرام اللي كريم بيعمله فيكي ده من إهمال وغياب.
وفي نفس الأسبوع، وفي نفس الأماكن التي كانت تشتكي فيها ل كريمة من قسۏة كريم، كانت سمر تجلس مع كريم في مقهى هادئ بعيد عن الأعين، تبتسم له ابتسامتها الماكرة، وتهمس في أذنه أن كريمة عائق في طريقه، وأن الرجل بطبيعته يحتاج لبيت يملؤه الأطفال، لا لزوجة تقضي ليلها كله بين كتب الطب وأوراق الأبحاث ومستشفيات المناوبات الطويلة.
الطفل الذي كان نائماً في العربة، بعمره الذي بلغ لتوه عاماً كاملاً، كان يمد كفه الصغير بلا حيلة نحو دمية زرافة صفراء معلقة بحافة السقف القماشي للعربة. طفل بريء تماماً، لا يملك من أمر الدنيا شيئاً، ولا يدري أن الكبار المحيطين به على وشك أن يشعلوا فتيل انفجار مدمر في هذا الممر الهادئ.
على بعد خطوات قليلة، كانت الدكتورة كريمة السعيد تقف ممسكة بجهازها اللوحي التايلت. كانت ترتدي بالطوها الأبيض الناصع، ويزين صدرها كارنيه

العمل الذي يحمل لقبها الأكاديمي بخط عريض وواضح. كانت قد أنهت لتوها عملية جراحية صعبة استغرقت أربع ساعات متواصلة، وشعرها الأسود المرفوع بعناية كان يخفي بعض إرهاق السهر، لكن عينيها كانتا حادتين ومركزتين.
كان متبقياً على اجتماعها مع رئيس قسم جراحة الأطفال اثنتا عشرة دقيقة فقط.
لحظة واحدة، فكرت كريمة فيها أن تمر من جوارهم مرور الكرام، أن تتعامل معهما كأنهما شبحان لا قيمة لهما، وأن تتابع طريقها نحو مكتبها لتنقذ نفسها من تفاهات الماضي. لكن كريم، بطبيعته النرجسية التي لا تستطيع مقاومة استعراض السيطرة، لمحها.
ابتسم باتساع، ورفع صوته عمداً لكي تلتفت ممرضات القسم والزوار الواقفون قرب مكتب الاستقبال
ياااه... شوفي مين هنا! الدكتورة بنفسها في قسم الأطفال؟ غريبة، كنت فاكر قسم الولادة والحضانات هو اللي هيكون مكانك المفضل... ولا لسه الشغل أهم من أي حاجة ثانية في الدنيا؟
التفتت الرؤوس نحوهما بسرعة.
سمر انتفضت ويديها المرعشتان امتدتا لتلتقطا ببرونة الحليب من جيب حقيبة العربة، لكن أصابعها كانت ترجف لدرجة أن الببرونة كادت تسقط قبل أن ټحتضنها بقوة إلى صدرها.
أما كريمة، فلم تتحرك خطوة واحدة. ثبتت مكانها بهدوء تام، ورفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه مباشرة، وبصوت مستقر وخالٍ تماماً من أي ارتعاش، قالت
أهلاً يا كريم. الشغل دايماً مهم، خصوصاً لما بيكون فيه أرواح بشړية معتمدة عليك مش مجرد كلام في الهوا.
ملامح كريم الوجهية اهتزت للثانية الأولى. طوال سنوات زواجهما السبع، كان يعتاد دائماً على رؤية كريمة ټنهار فور أن يوجه لها سهماً جارحاً. كان يعشق أن يستفزها حتى تدمع عيناها، ثم يستغل تلك الدموع ليقول أمام أهله وأصدقائه شايفين؟ عصيبة، نكدية، ومستحيل تتفاهم بالعقل. لكن هذه المرة، لم يكن هناك دموع. لم يكن هناك حتى
تنهيدة حزن
تم نسخ الرابط