وصية حمايا ٢ حكايات زهرة

موقع أيام نيوز


​الباب اتقفل وراهم.. وبقيت أنا وسعاد والمحامي.
​المحامي حط الملف قدامي، وطبطب على كتفي وقال:
— الحاج محمود سابلك كمان الرسالة دي.. الجزء الأخير منها خاص بيك أنت بس يا مروان.
​أخدت الورقة بإيد بترعش، وعيني دموعها نازلة مغمية الرؤية، وقريت آخر السطور اللي كتبها الراجل العجوز بصعوبة:
​"يا مروان يا ابني.. عارف إنك بعت عربيتك الشاهين عشان تعملي عملية المية البيضا.. وعارف إنك أجلت تصليح السقف عشان دوايا.. كنت بشوفك ترجع إيديك متوسخة شحم، وكنت بدعي ربنا في كل سجدة بليل في الأوضة الصغيرة إن يردلك الأرش ده أضعاف.
​أنا مكنتش عبء عليك يا ابني.. أنا كنت شايلك الشيلة الكبيرة للزمن.. الشاهين اللي بعتها هتشتري بدالها أحسن عربية، والسقف اللي بينقط مية هتشتري بداله العمارة كلها.. الأوضة المزنوقة اللي ولادك كبروا فيها خلاص هتتفتح على جنة. سامحني إن كنت تقلت عليك أو حسستك في يوم إن حيلتي قليلة.. بس أنا كنت خاېف أعرفك فالقرش يغيرك أو الطمع يدخل بينك وبين سعاد. أنت صنتني وأنا في عجزِي، وأنا صنتك وأنا تحت التراب. افتكرني بالدعاء كل ما تشرب شاي كشړي على كرسيك المفضل."
​وقع السطر الأخير من إيدي، واڼهارت على الركبتين في الصالة.. وبكيت بكا عمري ما بكيته في حياتي.
أفتكرت كل مرة اتعفرتت فيها من مصاريف دواه..
افتكرت كل مرة بصلي فيها وقال: "ربنا يرضى عليك يا ابني ويفتحها في وشك"..
اتاري الدعوة دي كانت بتتنفذ في السر كل يوم وفي كل ثانية!
​مشيت للأوضة الصغيرة اللي في آخر الطرقة.. فتحت الباب.
ريحة الشاي بالنعناع وطاقية الشباك الرمادي كانت لسه في الأوضة.. الكرسي الخشب القديم كان فاضي، والراديو الصغير محطوط على الترابيزة.
​قعدت على الأرض جنب كرسيه، ومسكت الطاقية بتاعته وحطيتها على وشي وأنا بعيط وبستغفر ربنا..
الراجل اللي كنت فاكره حِمل وتقيل عليا بقالي عشرين سنة.. طلع هو اللي شايلني وشايل ولادي وعاززني من غير ما ينطق بكلمة واحدة!
​عاش بينّا بسيط ومستور، وماټ وهو سايبلي درس عمري ما هنساه طول حياتي:
إن الأصول والجدعنة عمرهم ما بيضيعوا.. وإن الستر اللي بيجي من ربنا على إيد راجل طيب، أغلى من كل كنوز الدنيا.

تم نسخ الرابط