اكل حماتي ٢ حكايات زهرة
في ساعتها، قفلت الموبايل، وقمت من جنب مصطفى.
مسحت دموعي، ودخلت المطبخ.. فتحت الدرج، وطلعت علبة المخلل.
مشيت بخطوات هادية وراحت أوضتها، فتحت الباب بالراحة لقيتها قاعدة على السرير بتسبح في الضلمة.
قعدت جنبتها على طرف السرير، وحطيت علبة المخلل في حجرها.
طنط برقت بذهول واتحرجت جداً وقالت بصوت لجلج: "ولاء.. انتي.. انتي لقيتي العلبة دي فين؟ والله يا بنتي أنا..."
مسكت إيدها وبستها بحرارة، وقلت لها والنبرة طالعة بالعافية من خنقة الزور:
"حقك عليا يا طنط.. حقك عليا يا أمي. أنا اللي آسفة إني سبتك طول اليوم لوحدك.. آسفة إننا افتكرنا إن علبة أكل سخنة في الميكرويف هي كل اللي انتي محتاجاه."
طنط بصتلي والدموع اتجمعت في عينها، ومصطفى دخل الأوضة وقعد الناحية التانية، حضڼ إيدها وقبل رأسها وقال:
"يا أمي.. لو الأكل عادم من غير بابا، ومُر من غير لمتنا.. فحقك علينا. من بكرة مفيش قعدة لوحدك تاني."
اتفقنا من ليلتها على نظام جديد خالص..
مصطفى كلم شركته وضبط معاهم إنه يشتغل يومين في الأسبوع من البيت (Work from home). وأنا قدمت طلب في شركتي ونقلت فرع أقرب للشقة وبيخلص بدري ساعة.
والأهم من ده كله.. اتصلت بأختها (خالتو هدى) وبقيت أعمل لها عزومة كل أسبوع تيجي تقعد معاها بالنهار، واتفقنا مع جارتنا اللطيفة في الدور الأرضي تدخل تشرب معاها الشاي الظهرية.
وتاني يوم.. وقفت في المطبخ، بس المرة دي ما مسكتش معلقة رقمية ولا وزنت ملح بالجرام.
طبخت صينية بطاطس بالفراخ، وحطيت الملح بالمناسبة والبركة زي ما أي ست بيت مصرية بتعمل.. وحطيت جنبها طبق مخلل صغير مخدوم صح!
ولما قعدنا كلنا نتغدى مع بعض بالليل، واللمة دافية والضحكة مالية المكان، أخدت طنط أول معلقة.. بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية من قلبها وقالت:
"الله يسلم إيديكي يا ولاء يا بنتي.. الأكل النهاردة.. سكر عسل، ومظبوط بالتمام والكمال!"
عرفت ساعتها إن الأكل عمره ما كان محتاج معايير ولا جرامات.. الأكل كان محتاج بس "لمة ونََفَس طيب".. والملح الحقيقي اللي بيظبط طعم الحياة، هو وجود الناس اللي بنحبهم جنباً إلى جنب.