ابني وابن صاحبتي صابرين محمد

موقع أيام نيوز

ولا كلمة.
فتح الدولاب اللي في طرقة الشقة.
وقف على كرسي.
ونزل ظرف قديم متغطي بالتراب.
كان أول مرة أشوفه.
الظرف كان مقفول من سنين.
ولونه مصفر من الزمن.
ولما بصيت عليه...
اتجمدت.
لأن اللي كان مكتوب عليه بخط إيد أبويا الله يرحمه، خلاني أنسى حتى أتنفس.
بصلي شريف وهو ماسك الظرف بإيده، وقال بهدوء
أبوكي قبل ما ېموت... خلاني أوعده إن السر اللي جوه الظرف ده، عمري ما أقولهولك مهما حصل.
في اللحظة دي، رجلي خانتني.
لأنني طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن أسوأ احتمال هو إن جوزي يكون خانني مع أقرب صاحبة ليا...
لكن بعد ما عرفت إن أبويا نفسه هو طرف في الحكاية...
اتمنيت من كل قلبي لو كانت مجرد خېانة...
لأن الحقيقة اللي كانت مستخبية جوه الظرف...
بعدما فتحتُ الظرف، وجدتُ بداخله عقد زواج شرعي قديم، وصورةً باهتة، ورسالةً بخط يد أبي رحمه الله.
لم أفهم شيئًا.
رفعت رأسي نحو زوجي وأنا أرتجف، وسألته
إيه ده؟
قال بصوتٍ مكسور
أبوك طلب مني أقسم بالله إني ما أقولكش الحقيقة طول ما هو عايش... وحتى بعد ۏفاته، إلا لو جه اليوم اللي بقيتي مستحيل تكملي من غير ما تعرفي.
فتحت الرسالة.
وكان أول سطر فيها
سامحيني يا بنتي... أنا أخفيت عنك سرًا كنت فاكر إنه هيحميكي، لكنه في النهاية دمرك.
بدأت أقرأ وأنا أشعر أن الأرض تتحرك تحت قدمي.
قبل أكثر من ثلاثين سنة...
كان أبي متزوجًا من امرأة أخرى قبل أن يتزوج أمي.
استمر الزواج عدة أشهر فقط، ثم انتهى بالطلاق بسبب ظروف عائلية معقدة.
لكن تلك المرأة كانت حاملًا.
وأنجبت بنتًا اسمها...
سمر.
توقفت أنفاسي.
سمر...
هو الاسم الحقيقي لصديقتي التي عرفتها طوال حياتي باسم إيمان، لأنها كانت تعيش مع زوج أمها الذي سجّلها باسمه بعد ۏفاة والدتها.
أعدت قراءة السطر مرات.
لا لا يمكن يعني إيمان...
أختي؟
سمعت زوجي يقول بهدوء
أيوه... إيمان أختك من أبوكي.
انهرت في مكاني.
كل الذكريات مرت أمام عيني.
كيف كان أبي يعاملها بحنانٍ زائد كلما زارتنا؟
كيف كان يصر على مساعدتها ماديًا دون سبب؟
كيف كان يقول دائمًا إنها بنت غالية عنده؟
كنت أظن أنه يشفق عليها لأنها يتيمة.
لكن الحقيقة...
كانت ابنته.
ثم أكملت القراءة.
كتب أبي
لما عرفنا الحقيقة بعد ۏفاة أمها، كانت لسه صغيرة. حاولت أضمها لي، لكن أهلها رفضوا، وخفت لو ظهرت الحقيقة أهد بيوت وأفتح چروح ملهاش آخر. فقررت أقربها منك من غير ما تعرفي إنها أختك.
كانت يداي ترتجفان.
سألت زوجي
وأنت... كنت عارف؟
خفض رأسه.
عرفت بعد جوازنا بسنين.
وسكت؟
لأن أبوكي كان بېموت... وكان كل اللي طلبه مني إني أحافظ على السر.
صړخت
سيبتني أتهمك في شرفك!
دمعت عيناه.
كل يوم.
كل يوم كنت بمۏت وأنا ساكت.
ثم أخرج صورة أخرى.
كانت صورة قديمة جدًا.
أبي يقف في منتصف الصورة.
وعلى يمينه طفلة صغيرة هي نفسها إيمان.
لكن في الصورة كانت تقف بجوار أبي وهي تضحك.
وخلف أذنها اليسرى نفس العلامة الهلالية.
تذكرت ابني وتذكرت ابنها.
العلامة لم تكن صدفة.
كانت علامة وراثية موجودة في عائلة أبي، وانتقلت إلى حفيديه من ابنتيه.
عندها
فقط...
فهمت لماذا كان الولدان يشبهان بعضهما إلى هذا الحد.
لم يكونا أبناء رجل واحد...
بل كانا ابني أختين.
في اليوم التالي ذهبت إلى إيمان.
فتحت لي الباب وهي مبتسمة كعادتها.
لكنها بمجرد أن رأت وجهي...
اختفت ابتسامتها.
قلت لها
أنتِ عارفة.
أغلقت عينيها.
ثم همست
عرفت بعد ۏفاة بابا بسنة.
شعرت بطعڼة في قلبي.
يعني الكل كان عارف... إلا أنا؟
اڼفجرت تبكي.
قالت
والله حاولت أقولك ألف مرة.
لكن أبوك كان موصيني... وكان شايف إن الحقيقة هتكسرك.
قلت وأنا أبكي
كسرتوني أكتر بسكوتكم.
جلسنا ساعات طويلة.
نتكلم.
ونبكي.
ونتذكر.
وفي نهاية اليوم...
لم أعد أنظر إلى إيمان باعتبارها صديقتي فقط.
بل أختي التي حرمت منها ثلاثين سنة.
أما زوجي...
فاحتجت وقتًا طويلًا حتى أسامحه.
لم يخنّي.
لكنه أخفى عني حقيقة كانت تخص حياتي.
وأبي رحمه الله أدركت أنه لم يكن رجلًا سيئًا.
كان يظن أنه يحمي أسرته لكنه نسي أن الحقيقة مهما طال غيابها ستعود يومًا.
وكلما تأخرت كان ثمنها أكبر.
ومنذ ذلك اليوم كلما رأيت العلامة الصغيرة خلف أذن ابني، لم أعد أراها دليل خېانة كما ظننت يومًا.
بل صارت تذكرني بأن بعض الأسرار لا تدمرنا لأنها شريرة...
بل لأنها ظلت مخفية وقتًا أطول مما ينبغي.
 

تم نسخ الرابط