انا اللي ربيت اخويا

موقع أيام نيوز


معًا يداً بيد، حتى كبر الصغير وتحول ذلك الطفل المذعور إلى شاب يافع، طويل القامة، ذكي ومحبوب من الجميع. نجح إياد في امتحانات الثانوية العامة بتفوق باهر وحصل على مجموع كبير يؤهله لدخول كلية الهندسة التي طالما حلم بها، واليوم شارف على إتمام عامه الثامن عشر، ليصبح بالغًا عاقلاً أمام القانون والمجتمع. في ليلة عيد ميلاده الثامن عشر، كنت أشعر بفخر واعتزاز لا يمكن لأي كلمات في العالم أن تصفه، كنت أنظر إليه وأرى ثمرة تعبي وسهري وسنين عمري التي قدمتها له عن طيب خاطر، واحتفالاً بهذه المناسبة العظيمة التي تمنيت لو كان والداي حاضرين ليشهدوا تفاصيلها، قمت بدعوة عدد قليل من أقاربنا المقربين الذين لم نقطع وصالهم تمامًا على العشاء في منزلنا الصغير الذي شهد كل كفاحنا. كان العشاء مليئًا بالضحك والذكريات، وأخذ الأقارب يثنون على حسن تربيتي لإياد وكيف أنني استطعت العبور به إلى بر الأمان رغم كل الظروف الصعبة، وكان إياد يجلس بجانبي يبتسم بامتنان وعيناه تلمعان ببريق خاص لم أتبين معناه في تلك اللحظة. بعد أن انتهت السهرة وودعنا آخر الضيوف وأغلقت باب الشقة، شعرت براحة نفسية عميقة وهدوء لم أذق مثله منذ سنوات، فجلست على الأريكة في الصالة أستريح، بينما دخل إياد إلى غرفته بهدوء دون أن ينبس ببنت شفة، غاب لقرابة دقيقة كاملة، وحين عاد وخرج إليّ، تجمدت الډماء في عروقي ووقفت مكاني مذهولاً، ولم أستطع تصديق ما تراه عيناي؛ كان يمسك بين يديه بعلبة قطيفة حمراء قديمة ذات حواف مذهبة تآكلت بفعل الزمن.. إنها علبة مجوهرات أمي القديمة الخاصة، التي كنت أعتقد جازمًا أنها ضاعت أو سُرقت في يوم الحاډث المشؤوم، ولم أرها منذ ثماني سنوات كاملة. اقترب إياد مني بخطوات بطيئة ووقورة، وكانت علامات الجدية الصارمة قد ارتسمت على وجهه الشاب، ثم حط العلبة الثقيلة في إيدي، وبصلي في عيني بنظرة عميقة ومزلزلة، وقال لي بصوت منخفض ومتحشرج بهدوء غريب في حاجة يا مروان... أمي عمرها ما كانت عايزاك تعرفها، والعلبة دي فيها السر اللي عشت بيه طول السنين اللي فاتت.
ساد صمت رهيب في أرجاء الصالة، ولم أكن أسمع سوى دقات قلبي المتسارعة التي كانت تقرع في صدري كطبول الحړب، نظرت إلى علبة القطيفة في يدي وكأنني أحمل قنبلة موقوتة أوشكت على الانفجار، ثم نظرت إلى إياد وسألته بصوت يرتجف أنت جبت العلبة دي منين يا إياد؟ العلبة دي كانت في عربية بابا وماما يوم الحاډثة، والشرطة والمحاضر قالوا إن كل المتعلقات الشخصية اللي كانت معاهم ضاعت أو اټدمرت!. تنفس إياد الصعداء، وجلس أمامي على المقعد، ثم شبك أصابعه وقال العلبة دي ما ضاعتش يا مروان، العلبة دي أمي هي اللي ادتهالي بإيدها وحطتها في شنطة ظهري الصغيرة قبل ما نركب العربية بنص ساعة، وقالت لي بالحرف الواحد يا إياد، لو جرى لنا أي حاجة في الطريق، اوعى توري العلبة دي لأخوك مروان أو لأي حد من قرايبك إلا لما تتم 18 سنة وتكون راجل قادر تفهم المكتوب فيها.. أمي كانت مړعوپة وهي بتديهالي، وأنا كتمت السر ده في قلبي طول السنين اللي فاتت، وكنت بداوي چرحي وصدمتي لأني عارف إن جوا العلبة دي كلام هيغير حياتنا كلنا. شعرت ببرودة شديدة تجتاح جسدي رغم دفء الغرفة، وبأصابع مرتعشة قمت بفتح القفل المعدني الصغير للعلبة، فانبعثت منها رائحة عطر أمي القديم المميز الذي
 

تم نسخ الرابط