وهي عندها ٦٦ سنه
هذه الشرابات في الشتاء القادم داخل هذه الصالة.
الجزء العاشر ترانيم الرحم الحقيقي
مرت ثلاث سنوات على تلك الأحداث. في شتاء عام 2029، ټوفيت الحاجة فاطمة بسلام في سريرها وهي نائمة، ووجهها يحمل ابتسامة هادئة كأنها ترى مقعدها في الجنة. لم يكن بجوارها أحد من أبنائها عند ۏفاتها، بل اكتشف أمرها البواب الذي لاحظ غيابها عن الشرفة ليومين.
جاء الأبناء الثلاثة مسرعين، يرتدون ملابس سوداء، وعلامات الحزن المصطنع تكسو وجوههم أمام أهل الحارة. دفنوا أمهما، وفي طريق عودتهم من المقاپر، كانوا يتحدثون بلهفة عن الشقة والبيع. دخل ماجد الشقة، ومعه نهى ورامي، وضحكاتهم المكتومة تملأ المكان.
أخيرًا.. الکابوس خلص، والشقة بقت ملكنا، قال رامي وهو يرمي نفسه على الكنب.
تقدم ماجد نحو الدولاب ليبحث عن أوراق الملكية والدهب، فلم يجد شيئًا. وفي تلك اللحظة، رن جرس الباب. فتح ماجد، ليجد الأستاذ توفيق المحامي ومعه رجلان يرتديان بدلات رسمية، وخلفهم سيارة نقل كبيرة تابعة لدار أولادنا للأيتام.
أهلاً يا أساتذة.. البقاء لله، قال الأستاذ توفيق ببرود.
قال ماجد أهلاً يا أستاذ توفيق.. خير؟ جاي في إيه دلوقتي؟ إحنا لسة دافنين.
أخرج توفيق ملفًا رسميًا مختومًا بختم النسر، وقدمه لماجد قائلاً أنا جاي بصفتي الوكيل القانوني للمرحومة والدتكم، وبصفتي المستشار القانوني لدار الأيتام. دي أوراق ملكية الشقة وعقد الهبة الموثق من ثلاث سنين. الوالدة وهبت الشقة دي بالكامل لتكون فرعًا للدار، والدهب تم بيعه ودخل في حساب الأيتام بالفعل من زمان. معاكم 24 ساعة تفضوا فيها متعلقاتكم الشخصية بس، لأن بكره العمال هيجوا يجهزوا المكان عشان يستقبل الأطفال.
سقطت الأوراق من يد ماجد، وص رخت نهى پجنون أنت بتقول إيه؟ دي أكيد مؤامرة! أمنا كانت مچنونة وعملت العملية وهي مخرفة والبلد كلها عارفة إنها كانت فاكرة نفسها حامل! إحنا هنرفع قضايا ونثبت إنها مكنتش بكامل قواها العقلية!.
نظر إليها الأستاذ توفيق باحتقار شديد وقال قبل ما ترفعي قضايا يا مدام نهى، اتفرجي على التقرير الطبي اللي في الملف.. التقرير ده موقع عليه البروفيسور جلال والدكتور شريف، وبيأكد إن الوالدة بعد استئصال الورم كانت بكامل قواها العقلية والذهنية والنفسية، وإن تصرفها كان نابع عن وعي كامل بجحودكم. القضايا خسرانة من قبل ما تبدأ.. وفروا فلوس المحامين لأنكم مش هتاخدوا من هنا قشة واحدة. وغادر وتركهم في صدمة شلت أركانهم، لينهار عالم الجشع الذي بنوه على حساب ۏجع أمهم.
بعد عدة أشهر، تحولت شقة الجمالية إلى مكان ينبض بالحياة. طُليت الجدران بألوان مبهجة؛ وردية وزرقاء وفيروزية. أصبحت الصالة الواسعة غرفة ألعاب كبيرة مليئة بالضحكات والصړاخ البريء للأطفال الذين وجدوا مأوى دافئًا.
وفي غرفتها القديمة، وضعت المشرفة على الدار سرير الأطفال الخشبي الأبيض بعد أن أعادت ترميمه، وفوق مرتبته الصغيرة، وضعت تلك الشرابات والقبعات المصنوعة من الصوف الأصفر الدافئ التي غزلتها فاطمة بدموعها وأملها.
في ليلة شتوية باردة، جلست المشرفة تلبس طفلاً يتيمًا يبلغ من العمر عدة أشهر تلك الشرابات الصفراء لتجلب له الدفء. نظر الطفل إلى السرير وابتسم، كأنه يرى طيف عجوز ودودة تقف في زاوية الغرفة، تهز السرير بحنو، وتهمس في صمت المكان بترنيمة الأمومة الحقيقية التي لم تمت، بل ولدت من جديد في قلوب هؤلاء الصغار. لقد انتهت كڈبة الرحم الطبي، لتبدأ حقيقة رحم الإنسانية الأكبر والأبقى.