دفتر جدتي
المحتويات
ومحترم.
حُفر عليه
أمينة محمود
أم لم تلدني...
لكنها كانت أمي.
وصية.
وامرأة أوفت بكل وعد قطعته.
وطلبت أن تُنقش أسفل اسمها عبارة قصيرة
لم يتمكنوا من ډفن الحقيقة.
في اليوم الذي وضعوا فيه شاهد القپر، استيقظت المدينة على شمس صافية.
ومن أعلى المقپرة كانت البيوت المتلاصقة تبدو كأنها جزء من لوحة كبيرة نابضة بالحياة.
وقفت هناك طويلًا.
أفكر في السنوات التسع عشرة التي حملت فيها جدتي هذا السر وحدها.
تسع عشرة سنة من الخۏف.
وتسع عشرة سنة من المقاومة.
وتسع عشرة سنة من الصمت.
من دون تصفيق.
ومن دون تكريم.
ومن دون أن يعرف أحد ما كانت تفعله من أجلي.
أما أنا...
فقد توقفت أخيرًا عن حمل أخطاء أبي فوق كتفي.
وعندما خرجت من بوابة المقپرة، كان دفتر التوفير الأزرق داخل حقيبتي.
لم يعد تفوح منه رائحة الطين الرطب.
بل رائحة الورق القديم.
ورائحة مطبخ جدتي.
ورائحة يديها.
وعند زاوية الشارع، كانت طفلة صغيرة تطلب من أمها قطعة حلوى.
ابتسمت الأم.
واشترتها لها.
ثم طلبت منها أن تشاركها مع أخيها الصغير.
ابتسمت دون أن أشعر.
ولأول مرة في حياتي كلها...
لم يعد المستقبل يبدو تهديدًا.
بدا كأنه باب مفتوح.
وهذه المرة...
لم يعد المفتاح بيد أي شخص سواي.
أبي رمى دفتر التوفير الخاص بجدتي داخل قپرها وقال إنه لا يساوي شيئًا. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى المصرف وأنا أحمل ذلك الدفتر المغطى بالطين... وما إن رأته الموظفة حتى شحب وجهها واتصلت بالحماية فورًا. لم يبكِ أحد على جدتي أمينة كما بكيت أنا. ولم يدافع أحد عن آخر سر أخفته طوال حياتها. وعندما أغلق مدير المصرف نافذة الخدمة، فهمت الحقيقة المؤلمة... أبي لم يكن يريد ډفن جدتي فقط، بل كان يريد ډفن الدليل معها. هذا الدفتر لا يساوي شيئًا. اتركوه يتعفن مع العجوز قالها أبي وهو يرمي دفتر التوفير الأزرق الصغير فوق نعش جدتي أمينة المفتوح سقط مباشرة على صدرها، بين الزهور الذابلة والطين وشمعة أطفأتها الرياح لم يتحرك أحد لا أعمامي ولا أبناء عمي ولا حتى الشيخ الذي أنهى قبل دقائق مراسم الډفن في مقپرة المدينة كان الجميع ينظر إلى الدفتر وكأنه مجرد قطعة ورق لا قيمة لها وكأن جدتي أمينة لم تقضِ نصف عمرها تبيع الكليجة والمعجنات قرب السوق الشعبي، وتغسل ملابس الناس، وتخيط الثياب، وتجمع المال دينارًا فوق دينار داخل علبة معدنية قديمة وكأنها قبل يومين من ۏفاتها لم تمسك يدي بأصابعها الضعيفة وتهمس لي مريم... لا تدعي أباك سعد يعثر عليه سعد كان أبي وكان أيضًا الشخص الذي كانت جدتي تخشاه أكثر من أي إنسان آخر كان عمري سبعة وعشرين عامًا. كنت أرتدي عباءة سوداء استعرتها من جارتي. وكانت قدماي تغوصان في الطين الرطب. لم أنم منذ يومين. لم آكل شيئًا. وحتى التنفس أصبح مؤلمًا عدل أبي قفازيه الأسودين وابتسم ابتسامة أعرفها جيدًا الابتسامة نفسها التي كان يستخدمها عندما يقول إن البكاء مجرد تمثيل والابتسامة نفسها التي ظهرت على وجهه عندما أخذ أموال منحة دراستي بحجة مصاريف المنزل والابتسامة نفسها التي كان يبتسمها كلما تدخلت جدتي لتحميني منه قال وهو يشير إلى القپر هذا ميراثك يا مريم. دفتر قديم. لا بيت ولا أرض ولا أموال. أمينة كانت تحب الغموض دائمًا أطلقت زوجته الثانية سحر ضحكة خاڤتة من خلف نظارتها السوداء. المسكينة ما زالت تعتقد أن العجوز تركت لها كنزًا أما أخي من أبي، كرار، فاقترب مني وهمس إذا كان فيه مبلغ جيد فلا تنسي أن تعزمينا ضحك بعض الأقارب أما أنا فلم أضحك لأن ذلك الدفتر لم يكن مجرد دفتر
كان الدفتر
نفسه الذي
متابعة القراءة