درس اخي ٣ حكايات زهرة
خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل... فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟
قربت من المكتب بخطوات مړعوپة. حطيت الشنطة السودا على المكتب الأبنوس بحرص، وجمعت كل شجاعتي المتبقية، وقفت وبصيت في الأرض وقلت له
يا حاج عبد الفتاح... الشنطة دي فيها أربعمية ألف جنيه وذهب قيمته مية وخمسين ألف... دي فلوس مش من حقي.
الحاج عبد الفتاح ساب القلم من إيده، وضهر استند لورى على الكرسي. عينيه اتوسعت واستغراب شديد اترسم على وشه يعني إيه مش من حقك؟ الفلوس دي بتاعة مين؟
رديت ونفسي مقطوع ودموعي نازلة دي عمولات وأظرف أخدتها من الموردين والمقاولين خلال السنتين اللي فاتوا علشان أعدي فواتير وأسهل شغل... أنا خنت الأمانة يا فندم، وأنا جاي النهارده أحط الفلوس دي تحت رجليك، وتعمل فيا اللي أنت شايفه صح. عاوز تبلغ الشرطة أنا جاهز ومستعد أتسجن، بس المهم أطهر نفسي وعيالي من الذنب ده.
المكتب ساد فيه صمت رهيب. صمت يوجع الأذان. الحاج عبد الفتاح فضيل باصص لي لفترة طويلة جداً، ملامحه كانت متجمدة ومفيهاش أي تعبير. وبعد يجي خمس دقايق كاملين من السكوت الساقط زي المطر، فتح الشنطة وبص فيها، وبعدين قفلها تاني وبص لي وقدم جسدُه لقدام وقال
نعيم... الموردين دول إحنا كنا شاكين فيهم من فترة، والمدير الجديد بتاعك إحنا بنحقق معاه اصلاً في اختلاسات كبيرة وهنخليه يتكلبش الأسبوع الجاي. بس أنت... محدش كان كاشفك يا نعيم. أوراقك كُلها كانت مظبوطة ومتقفلة بالمسطرة، ومحدش كان هيقدر يثبت عليك مليم واحد. إيه اللي جابك تعترف برغبتك وتستسلم كده؟
مسحت دموعي وقلت له بكسرة ربنا كشفني يا حاج... كشفني عن طريق أنضف وأطهر خلق الله، أخويا الصغير اللي عنده متلازمة داون. أخويا اللي بيشم نجاسة الحړام في البيوت. أنا مش مستعد أخسر آخرتي وأكل عيالك ڼار عشان كام الف جنيه. الفلوس اهي، وأنا تحت أمرك.
الحاج عبد الفتاح قام من على كرسيه، ومشي بالراحة لحد ما وقف قدامي. حط إيده الكبيرة على كتفي، وبص في عيني بنظرة اختلفت تماماً... كانت نظرةفيها تقدير واستغراب في نفس الوقت. تنهد وقال بصوت هادي
أنا لو بلغت عنك الشرطة يا نعيم، القانون هيحبسك... بس ربنا قبِل توبتك خلاص. والراجل اللي يرجع لعقله وېخاف ربنا ويرجع الفلوس بالمنظر ده، يبقى لسه فيه خير ومينفعش أهد بيته وأشرد عياله. الفلوس دي تدخل خزنة الشركة كتعويض عن الفواتير اللي عدت. وأنت... من بكرة مش هتمسك مشتريات تاني خالص. هنقلك فرع الحسابات العامة، وتحت المراقبة لمدة سنة... بمرتبك القديم وبدون أي صلاحيات إضافية. اعتبر دي فرصة تانية ربنا بعتهالك، والباب ده اتقفل للأبد.
أنا ما صدقتش اللي سمعته. انحنيت وبست إيده من كتر الفرحة والامتنان